للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الزبير، وكان في طومارين (الطومار: الصحيفة) فتلي على الناس في المسجد. فأراد سعيد أن يعلم ما فيه، فسأل تلاميذه عن ذلك فأجابوه بما لا يشفي غليله، حتى قال له الزُّهْرِي: «أَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كُلَّ مَا فِيهِ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: «فَقَرَأَهُ حَتَّى جَاءَ عَلَيْهِ كُلِّهِ لَمْ يَخْرِمْ مِنْهُ حَرْفًا» (١)، ومثل ذلك يؤثر عن الشافعي وغيره، فاعتمادهم على ذاكرتهم كان أساساً لما ينقلونه من حديث رسول اللهِ ويتدارسونه، ونحن نعلم أن الاعتماد على الذاكرة يسعف الطالب أكثر من الاعتماد على الكتاب، ومن هنا كره من ذكرهم صاحب الشبهة كتابة العلم حتى لا تضعف فيهم هذه المَلَكَةِ العجيبة ولاَ يَتَّكِلَ على الكتاب، قال الحافط ابن عبد البر بعد أن ذكر رأي بعض الصحابة والتَّابِعِينَ في كراهية كتابة العلم: «مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي هَذَا البَابِ فَإِنَّمَا ذَهَبَ فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ العَرَبِ؛ لأَنَّهُمْ كَانُوا مُطْبُوعِينَ عَلَى الحِفْظِ مَخْصُوصِينَ، بِذَلِكَ وَالَّذِينَ كَرِهُوا الْكِتَابَ كَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ شِهَابٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ وَجُبِلَ جِبِلَّتَهُمْ، كَانُوا قَدْ طُبِعُوا عَلَى الحِفْظِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَجْتَزِئُ بِالسَّمْعَةِ، أَلاَ تَرَى مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: " إِنِّي لأَمُرُّ بِالبَقِيعِ فَأَسُدُّ [آذَانِي] مَخَافَةَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الخَنَا، فَوَاللَّهِ مَا دَخَلَ أُذُنِي شَيْءٌ قَطُّ فَنَسِيتُهُ "، وَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ، وَهَؤُلاَءِ كُلُّهُمْ عَرَبٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسِبُ " وَهَذَا مَشْهُورٌ أَنَّ العَرَبَ قَدْ خُصَّتْ بِالْحِفْظِ» (٢)

وإذا أضيف إلى ما سبق عامل الورع من أن يكون أحدهم قد دَوَّنَ في كتابه من الحديث ما قد يجوز فيه الوهم والخطأ، أدركت ما ذكر عن أبي بكر من أنه أحرق صحيفة الأحاديث، هذا إن صحت عنه تلك الحادثة، وإلا فقد قال عنها الذَّهَبِيُّ: «إِنَّهَا لاَ تَصِحُّ» (٣)، وهو الحق الذي تطمنن إليه النفس.

وأما تحرز بعضهم من التحديث، فذلك من شدة الاحتياط في الدين أن يذكروا


(١) " تاريخ ابن عساكر " في ترجمة الزُّهْرِي [مخطوط].
(٢) " جامع بيان العلم ": ١/ ٦٥.
(٣) " تذكرة الحفاظ ": ١/ ٥.