للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

عدم تدوين الحديث في كتاب خاص، واكتفائهم بالاعتماد على الذاكرة، كثرة الوضع والكذب على الرسول، واستظهر أن الكذب عليه بدأ في عهده قبل وفاته، وأشار إلى أن دخول الشعوب في الإسلام كان له أثر كبير في الوضع الذي بلغ من الكثرة أن اختار الإمام البخاري " صحيحه " من ستمائة ألف حديث كانت شائعة في عصره، ثم ذكر أهم الأمور الي حملت على الوضع - وقد تعرضنا لها في بحوثنا السابقة - وذكر منها تغالي الناس في إعراضهم عن العلم إلا ما اتصل بالكتاب وَالسُنَّةُ اتصالاً وثيقاً، وانتهى من ذلك إلى بيان جهود العلماء في مكافحة الوضع، وذكر ما يؤخذ عليهم من أنهم لم يعنوا بنقد المتن عُشْرَ ما عنوا بنقد السند، ثم تكلم عن أكثر الصحابة حَدِيثًا فذكر أبا هريرة، وقال عنه: إنه لم يكن يكتب، بل كان يُحَدِّث من ذاكرته، وأنه كان يُحَدِّث بما لم يسمعه هو مباشرة من النَّبِيّ- عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - وإن بعض الصحابة شَكُّوا في حديثه وبالغوا في نقده، ثم ختم هذا الفصل بالأدوار التاريخية الي مَرَّ بها تدوين السُنَّة حتى عصر البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب " الكتب الستة ".

تلك هي خلاصة فصل الحديث من صحيفة ٢٥٥ إلى ٢٧٤ وأريد أن أُنَبِّهَ قبل الانتقال إلى نقده تفصيلياً إلى أن رأي المرحوم الأستاذ أحمد أمين في السُنَّة معروف، فقد نشر أحد الملاحدة المُسْلِمِينَ في مصر (إسماعيل أدهم) رسالة في عام ١٣٥٣ هـ عن تاريخ السُنَّة، أعلن فيها أن هذه الثروة الغالية من الحديث الموجودة بين أيدينا، والتي تضمنتها كتب الصحاح، ليست ثابتة الأصول والدعائم، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة الوضع، وقد قوبلت هذه الرسالة بنقمة الأوساط الإسلامية. حتى اضطرت الحكومة المصرية بناء على طلب مشيخة الأزهر إلى مصادرة الرسالة من الأيدي، وقد اضطر إلى أن يدافع عن نفسه في كتاب أرسله إلى إحدى المجلات الإسلامية (١) زعم فيه أن ما ذهب إليه من الشك في صحة السُنَّة لم ينفرد به، بل قد وافقه عليه جماعة من كبار الأدباء والعلماء، وذكر منهم الأستاذ أحمد أمين بكتاب أرسله إليه، وانتظرنا أن يُكَذِّبَ الأستاذ هذا الزعم فلم يفعل، بل كتب في


(١) " مجلة الفتح ": عدد ٤٩٤، ص ١٢.