للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يَوْماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُنَا عنه " البخاري " بسنده المتصل إليه، يقول: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ (١) فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» وليس هذا إلا دليلاً على نظر الصحابة إلى رسول اللهِ نظرة اتِّبَاعٍ واسترشاد برأيه وعمله، لما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه، ولهذا كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين.

بل كان الصحابي يقطع المسافات الواسعة ليسأل رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن حكم شرعي، ثم يرجع لا يلوي على شيء، أخرج البخاري في " صحيحه " عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال له النَّبِيُّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟» ففارق زوجته لوقته فَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ.

وكان من عادتهم أن يسألوا زوجات النَّبِيِّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بأحوال رسول الله العائلية الخاصة، كما قَدَّمْنَا من قصة الصحابي الذي أرسل امرأته تسأل عن تقبيل الصائم لزوجته فأخبرتها أم سلمة «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَبِِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» (٢).

كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النَّبِيِّ فأحياناً يسألن رسول الله ما يشأن السؤال عنه من أُمُورِهِنَّ، فإذا كان هنالك ما يمنع النَّبِيَّ من التصريح للمرأة بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَمَرَ إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ تَتَطَهَّرُ مِنَ الحَيْضِ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا» فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا؟ " فَأَعَادَ كَلاَمَهُ


[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(١) [هو أَوْس بن خولى بن عبد الله بن الْحَارِث الْأنْصَارِي، انظر: " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " للعيني، ٢٠/ ١٨١، الطبعة بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. و" تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي " للمباركفوري (ت ١٣٥٣ هـ): ٩/ ١٥٩، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
(٢) [انظر ص ٥٣ من هذا الكتاب].