فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[نقد حديث:) إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك)]

أيضاً حديث: (إن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك، فيجلس على كرسي من نور وبين يديه لوح من ياقوتة حمراء فيه أسماء من يثبت الرؤيا والكيفية والصورة من أمة محمد، فيباهي بهم الملائكة).

فهذا الحديث فيه إثبات الرؤية والكيفية والصورة لله تعالى، وقد عقب ابن الجوزي على هذا الحديث وقال: لعن الله واضعه، ولا رحم صانعه؛ فإنه كان من أخس المشبهة وأسوأهم اعتقاداً، وما أظنه كان يظهر مثل هذا إلا للطغاة من المشبهة الذين لم يجالسوا عالماً.

أقول: وأنا أشهد الله أني أثبت لصفات الله الكيفية، وأشهد الله أني أثبت الرؤيا، وأشهد الله أني أثبت صفة الصورة لله جل في علاه؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون الرؤيا لله، يوم القيامة، لكن ابن الجوزي كان عنده اعتزال في العقيدة، ولذلك تنطع بعضهم وقال: لا يؤخذ منه شيء، لكن نحن نأخذ خيره، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.

إذاً: فنحن نثبت أننا نرى الله في الآخرة، ونثبت لله الصورة، وإثبات الصورة فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم على صورته)، وهذا الحديث مشكل؛ فقد اختلفوا في الهاء هنا هل تعود إلى آدم أو تعود إلى الله؟ وجاء حديث في سنن النسائي وابن خزيمة يضعفه: (خلق الله آدم على صورة الرحمن)، وأحمد وغيره صححوا هذا الحديث.

فعند من صحح هذا الحديث يزول الإشكال الموجود في الحديث الأول: (خلق آدم على صورته) وذلك لأن الصورة هنا قد أضيفت لله.

وهذه المسألة على قولين بين أهل السنة والجماعة: القول الأول: قول من ضعف هذا الحديث، فقال: (إن الله خلق آدم على صورته) يعني: على صورة آدم التي قص النبي صلى الله عليه وسلم لكم منها، وبين أن آدم خلق وكان طوله ستين ذراعاً.

القول الثاني: وهذا القول أنا أتبناه، وقد تبناه كثير من أهل العلم، وهو: أن الصورة صفة ثابتة لله جل في علاه؛ لأن الله جل وعلا قال: (خلق آدم على صورة الرحمن)، أي: له عين، وله وجه، وله يد، وله رجل، وصفات الله هذه تليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته وقدرته، وأما يد آدم فتليق بعجزه ونقصه، فلا مشابهة ولا مماثلة.

إذاً: فهذه المسألة فيها اختلاف بين أهل السنة والجماعة، ولذلك إذا قلنا بأن حديث (إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك) موضوع أو فيه ركاكة في اللفظ لا لكونه فيه إثبات الرؤيا والكيفية والصورة، لا، ولكن الذي جعلنا ننتقد هذا الحديث هو الجزء الأول منه: (أنه ينزل بستمائة ألف ملك إلى دار الدنيا)، وذلك فيه معارضة صريحة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك قوله: (فيجلس على كرسي من نور) فالجلوس ليس صفة من صفات الله جل في علاه، بل الذي ثبت أنه صفة من صفات الله هو الاستواء، وهناك فرق كبير بين الجلوس وبين الاستواء؛ لأن الذي يجلس يحتاج إلى ما يجلس عليه، والله جل في علاه كل الكون يحتاج إليه، فهو استوى على العرش، والعرش أحوج ما يكون لربه جل في علاه.

<<  <  ج: ص:  >  >>