<<  <  ج: ص:  >  >>

[أبو لهب]

العلم الثالث: أبو لهب، وهو الوحيد الذي كني في القرآن، قال السيوطي في الإتقان: لا يوجد أحد ذكر بكنيته في القرآن إلا أبو لهب، وهو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم.

وهنا نذكر فوائد متعددة قبل أن نشرع في الكلام عن أبي لهب.

النبي عليه الصلاة والسلام كان له عشرة أعمام وعدة عمات، واختلف الناس في ضبطهن فقيل: أربع وقيل غيرها.

من العمات: صفية وهي أم الزبير بن العوام، ومن عمات النبي صلى الله عليه وسلم عاتكة وهي التي مر معنا في يوم الفرقان أنها رأت الرؤيا، وعاتكة اسم تكرر كثيراً في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا: إن تسعاً من النساء يدلين في النسب الشريف اسمهن عاتكة، منهن ثلاث من قبيلة سليم، الذين هم من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وجداته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم يوم حنين مفتخراً: (أنا ابن العواتك من سليم)، عواتك: جمع عاتكة.

وله عمة يقال لها: أروى، ولكن اختلف هل ثبتت أم لم تثبت، فلا يوجد كثير أخبار عن عماته.

أما أعمامه فعشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة: العباس، وأبو طالب، وحمزة، وأبو لهب، أسلم حمزة والعباس، وكنية حمزة: أبو عمارة، وكنية العباس: أبو الفضل، وعبد العزى كنيته: أبو لهب واسمه: عبد العزى، وإنما لقب بـ أبي لهب؛ لأنه كان جميلاً جداً، وكانت وجنتاه تشرقان كاللهب.

والرابع أبو طالب واسمه: عبد مناف، وأبو طالب، وأبو لهب كلاهما لم يسلما إلا أن أبا طالب كان ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، إلا أنه مات على الكفر، وبعض الناس في عصرنا يجعل من قضية موت أبي طالب فرصة للقدح في الناس، فيقول: إن أبا طالب مات على الإسلام، وإن قلنا: إنه يوجد من العلماء من قال بذلك.

لكن هذا يقول: إن الذين لا يقولون بأن أبا طالب مات على الإسلام يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه تهمة عظيمة للناس، فلا يوجد مؤمن يبغض النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لا يجتمع إيمان مع بغض النبي صلوات الله وسلامه عليه، لكن نقول: إن النصوص التي بين أيدينا تدل على أن أبا طالب مات على الكفر، وهذا أمر ظاهر، ونحن لسنا أرحم برسول الله من الله جل وعلا الذي اختار أن يموت أبو طالب على الكفر.

لما أنزل الله جل وعلا على نبيه: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، وقف صلى الله عليه وسلم على الصفا فنادى في قريش: يا صباحاه، ثم بين لهم ما أنذر به، وكان المفترض أن يكون عمه أبو لهب أول الناس نصرة له، أو على الأقل يسكت كما سكت أبو طالب، لكنه قال له -والناس حاضرون-: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، وانصرف، فتفرق الناس مع أبي لهب، وكانت له زوجه يقال لها: أم جميل تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]، تبت بمعنى: خابت، وخسرت، وهلكت.

وهذه الآيات من أعظم إعجاز القرآن؛ لأن الله أخبر فيها أن أبا لهب سيكون مصيره إلى النار، ومع ذلك لم يسلم أبو لهب لا ظاهراً ولا باطناً، ولم يستطع أن يقول ولو كذباً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ومات شر موتة.

كانت لـ أبي لهب جارية اسمها: ثويبة، ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم جاءته ثويبة تخبره أن آمنة زوجة أخيه عبد الله ولدت غلاماً، ففرح أبو لهب وأعتقها، فلما مات رآه العباس بن عبد المطلب في المنام فسأله: ما فعل الله بك؟ قال: لم أر بعدكم إلا شراً، إلا أنه في كل يوم اثنين يخفف عني بأنني أسقى من هذا الموضع مابين الإبهام والسبابه؛ لأني أعتقت ثويبة جاريتي لما بشرتني بمولد محمد صلى الله عليه وسلم.

فانظر كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه، فإن الله أمر أن يخاطب صنوف المدعوين، قال الله جل وعلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1]، {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} [الأنعام:15]، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} [يونس:104]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا} [الزمر:53]، لكن الله جل وعلا يعلم نبيه الأدب فما قال الله لنبيه: قل يا أبا لهب، بل خاطب أبا لهب مباشرة ونحى نبيه جانباً؛ حتى لا يقال: إن محمداً يسيء الأدب مع عمه؛ لأن العم صنو الأب وحق الأب عظيم، ولهذا فإن من كرامة الله لنبيه أن أباه مات وهو صغير؛ حتى لا يبقى لأحد حق عليه صلى الله عليه وسلم، ولو قدر أن والديه عاشا كافرين فإنه يبقى لهما حق كما كان حق والد إبراهيم على إبراهيم، لكنه صلى الله عليه وسلم عاش يتيم الأبوين؛ حتى لا يبقى لأحد عليه فضل، اللهم إلا عمه العباس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم العباس ويجله، وورث أبو بكر وعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه لعمه العباس، وكان عمر رضي الله عنه يستسقي بـ العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا دخل فرش له بجواره وأجلسه؛ لأنه عم النبي صلى الله عليه وسلم.

موضع الشاهد قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد:1]، حيث تكفل الله بالجواب والرد على أبي لهب ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم وسيله في الخطاب.

إن أبا لهب لما نازع الله وحاربه قال الله جل وعلا له ذلك، ولم تنفعه قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا عزيز فلا ينبغي لأحد أن يقع في قلبه السخرية من آيات الله أو رسله، أو يحاول أن ينازع الله جل وعلا في شيء.

كان هناك رجل اسمه: محمد بن زكريا الرازي الطبيب تلي عليه قول الله جل وعلا: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك:30]، فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول.

فأذهب الله جل وعلا في ساعته ماء عينيه، فبقي حياته كلها أعمى.

فالله جل وعلا يقول في ذاته العلية: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ} [إبراهيم:47].

والمؤمن الحق يراقب الله جل وعلا في كل شيء حتى لو وقعت منه المعصية -ولا يسلم من المعاصي أحد- فلتقع منه وهو منكسر خائف، يخشى الله ويخشى عذابه، هذا هو المؤمن، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالفرس المعقود في مكان ما، فمهما ذهب يعود إلى نفس مربطه والمكان الذي فيه حبله.

أما منازعة الله فهي عين الوبال ومحل السفال، قيل للإمام أحمد رحمه الله: أطلبت هذا العلم لله؟ قال: الله عزيز، لا أستطيع أن أقول هذا، إنما أقول: هو شيء حببه الله إلي فصنعته.

ولم يقل: إنني طلبت هذا العلم لله.

هذه فائدة من هذه القصة، وهي أن الإنسان يراقب الله جلا وعلا، ولا يتكل على شيء من أمور الدنيا.

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير