للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[آداب الصيام]

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فأيها الإخوة الكرام!.

هناك آداب للصيام ينبغي أن نراعيها، وهي ما يلي: الأدب الأول: تبييت النية من الليل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيّت النية من الليل فلا صيام له)، فمدار الأعمال على النيات، ومعنى النية أن تنوي صيام الشهر، ليس بلسانك وإنما بقلبك؛ لأن النية من أعمال القلوب، فالتلفظ بها بدعة؛ لأن النية تنصرف إلى الفعل إن عزم عليه الفرد بقلبه، فالذي يريد أن يشرب الماء لا يقول قبل الشرب: نويت أن أشرب، أو إذا أراد أن يخرج إلى عمله لا يقول: نويت أن أذهب إلى عملي، فالنية محلها القلب.

والراجح أن نية صيام الشهر في أول ليلة منه تكفي له، إلا إذا انقطع الصيام بعذر كسفر أو مرض، فعليك أن تجدد النية مرة ثانية.

الأدب الثاني: السحور، والسحور فيه بركة كما يقول البخاري في صحيحه: بركة السحور من غير إيجاب.

يقول ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن السحور مندوب.

أي: مستحب وليس بواجب.

يقول أنس عن زيد بن ثابت والحديث في البخاري: (تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قمنا إلى الصلاة بعد السحور، فقال أنس لـ زيد: كم كانت المدة بين سحوركم وبين صلاة الفجر يا زيد؟ قال: قدر قراءة خمسين آية من القرآن).

قال العلامة ابن حجر: وفي الحديث فوائد: الفائدة الأولى: تأخير السحور إلى أن يزاحم الفجر.

ومن المخالفة التي يقع فيها الناس مدفع الإمساك إذ لا يترتب عليه أحكام شرعية بحال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) أي: حتى يشرع في النداء، وحتى هنا للنهاية.

وفي الحديث: (إذا أذن الفجر وعلى فمك الإناء فلا تضع الإناء حتى تقضي حاجتك منه) أي: اشرب ما في الإناء ولو أذن المؤذن، فالإسلام دين الرحمة ولا يمكن أن نقول له: انزع الإناء ثم اسكب ما في فمك، فهذا تعذيب، فلا تضع الإناء إلا وقد أخذت حاجتك من الإناء، لكن لا تشرع في الشرب بعد سماع النداء، فهذا لا يقبل بحال.

فمدفع الإمساك يمكن أن يقال عنه مدفع تنبيه وهذا أفضل، فلو كان الأمر بيدي لقلت: مدفع تنبيه لاقتراب نداء الفجر، أما مدفع الإمساك فليس من شرع الله.

يقول ابن حجر في فتح الباري كلاماً وكأنه نظر إلى واقعنا، وإن كان هذا في زمانه: وقد ابتدع الناس في زماننا -أي: زمان ابن حجر - أذاناً قبل الفجر حتى يمنع الناس من الطعام، ويؤخرون الفطر.

يقول بعض الناس في الأرياف: لا تأكل حتى يتشهد المؤذن، أي: إذا غاب قرص الشمس وجب الفطر.

ومن سنن هذا الدين تأخير السحور وتعجيل الفطور.

يقول ابن حجر: فبكروا السحور وأخروا الفطور، فقلَّ فيهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال أمتي بخير ما عجّلوا الفطر وأخروا السحور)، فتعجيل الفطر وتأخير السحور من مقومات الخيرية.

ثم انظر إلى زيد رضي الله عنه وهو يقول: (تسحرنا مع رسول الله)، وفي الحديث مشروعية السحور الجماعي، وليس كل من يستيقظ يأكل بمفرده، وإنما العائلة جميعها تستيقظ وتتكاثر الأيادي على الطعام الأب، والأم، والأبناء، فالكل على مائدة واحدة في الساعة الرابعة والربع مثلاً أو الرابعة وعشر دقائق، أو الرابعة، والكل يقول: اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، وهذا في وقت السحر، وربما يستجيب الله لأحد الأفراد فيقول: خلّصت رقاب الجميع من النار.

وفي الحديث: مشروعية السير بالليل؛ لأن زيداً لم يكن يبيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما قطع المسافات ليتسحر معه، فنتعلم الأدب حتى في استخدام حرف الجر، لم يقل زيد: تسحرنا ورسول الله، وإنما قال: (تسحرنا مع رسول الله) ومع تشعر بالتبعية، فلم يشأ زيد أن يعطف تسحره بتسحر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس من الأدب، أما في زماننا فقد فُقد فيه الأدب إلا من القليل.

الأدب الثالث: تعجيل الفطر.

الأدب الرابع: حفظ الجوارح عن المعاصي.

عباد الله! هناك آداب للصيام ينبغي أن نراعيها في شهر الصيام، ونبتعد عن كثير من المخالفات الرمضانية التي نقع فيها، وللحديث بقية إن شاء الله.

اللهم بلغنا رمضان اللهم بلغنا رمضان، اغفر لنا فيه الذنوب، واستر لنا فيه العيوب، فرج فيه الكرب والهموم، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، يا رب إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، لا تدع لنا في هذا الشهر الكريم برحمتك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مكروباً إلا وفرجت كربه، ولا مهموماً إلا وفرجت همه، ولا مسجوناً إلا وفرجت كربه برحمتك يا رب العالمين! اللهم استر عوراتنا، وآمن روعا