للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه]

دعوة الأب مهمة؛ لأنه أولى الناس بالخير الذي عندك وأقرب الناس إليك، وقد قال تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:٢١٤].

فابدأ أولاً بأهلك: أبيك وأمك وزوجتك وأبنائك وأعمامك وهكذا، فابدأ بمن تعول أو بمن له قرابة منك.

فإبراهيم عليه السلام بدأ أولاً بأبيه، وانظروا إلى حواره مع أبيه كما أتى في سورة مريم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً} [مريم:٤٢ - ٤٥].

يقول المفسرون: انظر إلى تلطفه، فقد استخدم لفظ: (يا أبت) أربع مرات؛ ليستثير عند الأب عاطفة الأبوة، فبدأ أولاً بإقامة الحجة عليه، ولم يسفه الأصنام، وإنما قال له: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ}، فالإله الذي يعبد -يا أبت- ينبغي أن يسمع، فمن الذي يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء إلا رب الأرض والسماء، فنقول لمن ينادي الأموات في أضرحتهم: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} [فاطر:١٤].

فإبراهيم يقول لأبيه: {لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ} [مريم:٤٢]، فالله يعلم السر وأخفى سبحانه.

وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين جاءت المرأة المجادلة خولة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تحدثه في أمر زوجها أوس بن الصامت الذي ظاهر منها، تقول: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرة واحدة فكنت أسمع بعض الحديث ولا أسمع البعض الآخر، فأنزل سبحانه: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} [المجادلة:١].

ويقول ابن القيم: والسمع في القرآن يأتي على معان ثلاثة: سمع بمعنى إدراك الصوت، وسمع بمعنى الإجابة، كقولك: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله لمن حمده، وسمع بمعنى الفهم، يقول ربنا سبحانه: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [الأنفال:٢٣].

وعندما يقول أصحاب النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:١٠].

فالمقصود: أنهم ينفون عن أنفسهم سمع الإجابة، وإلا فهم قد سمعوا الصوت، ومنهم من سمع الدعوة وأعرض، فهم قد سمعوا ولكنهم ما أجابوا، فكأنهم لم يسمعوا، {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك:١٠ - ١١].

{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} [مريم:٤٢]، فالإله الذي يعبد لا بد أن يسمع ويبصر، ويملك لك جلب النفع ودفع الضر، ولا يملك لك جلب النفع ودفع الضر إلا الله، والمشرك لا عقل له، فالذي يدعو غير الله منزوع العقل.

وقد روى الدارمي في مقدمة سننه: أن رجلاً من المشركين أرسل ولده ليقدم زبداً ولبناً لصنمه الذي يعبده، فحمل الولد الزبدة واللبن، ثم جاء إلى الصنم ووضع اللبن والزبدة بين يديه، يقول الولد: وقد اشتقت إلى أكل الزبدة واللبن، ولكني خفت أن يصيبني الصنم بأذى، وجلست أنظر إلى الصنم ماذا يصنع؟ فجاء كلب لا عقل له، فأكل الزبدة وشرب اللبن ثم بال على الصنم، فعلمت أن الكلب أعقل مني.

فأين عقولكم يا من تدعون غير الله، وتطوفون بأضرحة من تزعمون أنهم من الصالحين وهم لا يملكون لكم نفعاً ولا ضراً؟ ويقول ربنا تبارك وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاع إِذَا دَعَان} [البقرة:١٨٦]؛ فهم كما قال قائلهم لبعض الذين يترددون عليه: عند دخولك من الباب على شيخك اخلع عقلك كما تخلع حذاءك فهم قد يخلعون عقولهم حينما يدعون غير الله ويطلبون المدد من غيره سبحانه.

ثم قال إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ} [مريم:٤٣]، فانظروا إلى الحكمة والتلطف والأدب في الحوار مع الأب مع أنه مشرك، ول