<<  <  ج: ص:  >  >>

[إجماع السلف على إثبات العلو لله تعالى]

انتهينا في الدرس الماضي من موضوع إثبات علو الله تعالى على خلقه في القرآن والسنة، وقد نقل الشيخ رحمه الله في كتابه هذا كثيراً من النصوص الدالة على علو الله سبحانه وتعالى على خلقه، ثم بعد ذلك تحدث عن مسألة مهمة وهي مسألة منهج نفاة صفات الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن نقرأ الكلام الذي تحدث به عن هذا الموضوع، ثم نتحدث عن أبرز الشبهات التي من أجلها نفى المعطلة صفات الله سبحانه وتعالى.

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله في الحديث الذي في السنن: (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً)، وقوله: (يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب) إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية، التي تورث علماً يقينياً من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلّغ عن الله، ألقى إلى أمته المدعوين أن الله سبحانه فوق العرش، وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.

ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمع لبلغ مئات أو ألوفاً ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة والتابعين، ولا عن أئمة الدين الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك، لا نصاً ولا ظاهراً، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أن جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصبع ونحوها.

بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقول: (ألا هل بلغت؟) فيقولون: نعم، فيرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم، ويقول: (اللهم اشهد) غير مرة، وأمثال ذلك كثير.

فإن كان الحق فيما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في كتاب الله وسنة رسوله من هذه العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة، إما نصاً وإما ظاهراً، فكيف يجوز على الله ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق الذي يجب اعتقاده، ولا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً، حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها.

لئن كان ما يقول هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصاً أو ظاهراً، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين.

فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: أنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل وما يستحقه من الصفات نفياً ولا إثباتاً، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الأسماء والصفات فصفوه به، سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به] هذا الحديث الذي في السنن وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) هو من جملة الأحاديث التي فيها إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى، ووجه الدلالة من هذا الحديث هو قوله: (إذا رفع إليه يديه) فإن رفع اليدين يدل على أن المسئول في السماء.

ولهذا لما ذكر بعض أهل العلم أن رفع اليدين في الدعاء يدل على علو الله عز وجل، أجابهم هؤلاء المعطلة بأن السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، ولكن بقية الأحاديث والآيات الضرورية الواضحة تدل على علو الله عز وجل؛ ولهذا إذا جادلنا أحداً في حديث واحد أحلناه إلى حديث آخر، حتى لو كان الحق معنا في نفس الحديث.

مثل إبراهيم عليه السلام عندما قال للنمرود: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة:258] فكان بإمكان إبراهيم عليه السلام أن يرد على هذا الطاغية الكذاب بقوله: كيف ذلك؟ وقد قال له ذلك فطلب اثنين من السجن، فلما جيء بهما أطلق رجلاً وذبح الآخر، وقال: أنا أمت هذا وأحييت هذا، وكان بإمكان إبراهيم أن يقول: احي هذا الذي أمته أنت الآن، فلا يستطيع؛ لكن إبراهيم عليه السلام تجاوز النقاش في هذه النقطة إلى ما هو أوضح منها فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [ال

<<  <  ج: ص:  >  >>