فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[القرآن العظيم والرسول الكريم لم يتركا العقيدة من غير بيان]

قال المؤلف رحمه الله: [فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم، وأتم عليهم نعمته؛ محال مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبساً مشتبهاً، فلم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه].

فاستدل على امتناع أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكر الحق في مسائل الأسماء والصفات بما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه صلى الله عليه وسلم من أنه بعثه الله بالهدى ودين الحق، وأن هذا القرآن الذي جاء به نور وهدى وشفاء، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على توضيح الحق، وكان من أكثر الناس قدرة على البيان والتبيين والتوضيح والفصاحة.

وكل هذه المقومات يستحيل معها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أغفل أو سكت أو نسي أو أهمل باب توحيد الأسماء والصفات، فإن مقتضى كون هذا القرآن الكريم بياناً وشفاء وهدى وذكرى وروحاً ونوراً، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، فلما كان القرآن بهذه الصفة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من أفصح الناس، وأقدرهم على البيان، وأحرصهم على نجاة أمته، وأكثر الناس بذلاً وجهداً وجهاداً لإصلاح أمته، فهذه المقومات مجتمعة لا يمكن معها بأي حال من الأحوال أن يكون رسول الله قد سكت عن باب الإيمان بأسماء الله الحسنى وبصفاته العلى؛ لأن حاجة الإنسان إلى توحيد الله في أسمائه وفي صفاته أعلى، وإذا كانت أعلى حاجة فإن من ضروريات البيان والفصاحة والهدى الذي هو وصف للقرآن، ومن ضروريات والشفاء أن يكون قد وضح ذلك توضيحاً كافياً وبيناً، فلسنا بحاجة إذاً إلى منهج غير القرآن الكريم في الاستدلال على أسماء الله وصفاته، وعلى ما أخبر به سبحانه وتعالى.

هذا برهان قوي عقلي متقن بشكل كبير، وهذا البرهان العقلي المتقن المنظم بهذا الأسلوب ينتج عنه استحالة أن يكون القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم لم يبينا الأسماء الحسنى والصفات العلى.

قال المؤلف رحمه الله: [فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يحكموا هذا الباب اعتقاداً وقولاً؟!].

وهذا واضح وبين.

وكل فقرة من هذه الفقرات عليها دليل من القرآن والسنة، فقوله: (فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير)، يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:45 - 46].

وقوله: (الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور)، عليه أيضاً دليل من القرآن.

وقوله: (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) مقطع من آية.

وقوله: (وأمر الناس أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعث به من الكتاب والحكمة)، أخذه من قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} [النساء:59]، وقوله سبحانه وتعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65]، إلى آخر الآية، وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63]، إلى آخر ما يدل على وجوب طاعة الرسول.

وقوله: (وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة)، مأخوذ من قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:108]، إلى آخر الآية.

وقوله: (وقد أخبر الله أنه أكمل له ولأمته دينهم)، مأخوذ من قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة:3].

ففقرات هذا الدليل، كل فقرة منها يدل عليها دليل من القرآن أو دليل من السنة.

والواجب لله من الأسماء والصفات الكمال المطلق له سبحانه وتعالى، وكل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه واجبة لله عز وجل، وما يجوز عليه هي صفات الأفعال، فإن صفات الأفعال يجوز أن يفعلها ويجوز ألا يفعلها.

وأما قوله: (وما يمتنع عليه)، فهي صفات النقص جميعاً، كالنوم وا

<<  <  ج: ص:  >  >>