للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ثبات العقيدة واستمرارها إلى قيام الساعة]

القاعدة الثانية: اعتقاد ثبات العقيدة واستمرارها إلى قيام الساعة: فالعقيدة ثابتة من حيث مصدرها القرآن والسنة وما دلت عليه كالإجماع والقياس ونحو ذلك من الأدلة الأخرى مثل سد الذرائع والاستصحاب، وغيرها من الأدلة الأصولية المعروفة.

وأيضاً المنهجية في الاستدلال مثل: الالتزام بمقاصد الشريعة والالتزام بجمع الأدلة كلها في مكان واحد وفي وقت واحد، والتعامل معها على مقتضى لغة العرب، كما سيأتي الإشارة إلى ذلك.

فالعقيدة الصحيحة ثابتة، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وكالغيبيات والإيمان بسائر أنواع الإيمان واعتقاد الإنسان في أسماء الله وصفاته، وفي المعاد، وفي الأسماء والأحكام ونحو ذلك من المسائل العقدية، واعتقاد أن الكافر كافر، ومعرفة أحكام الكفر في الدنيا وفي الآخرة، وهذه هي المسماة عند أهل السنة بالأسماء والأحكام.

فهذه القاعدة مهمة جداً، وهي أن العقيدة ثابتة، وأنها تتعايش مع المجتمع أياً كان نوعه، سواء كان مجتمعاً في مرحلة البداوة أو كان في مرحلة الحضر، وسواء كان في الريف أو في المدينة، وسواء كان ذلك في مجتمع زراعي أو مجتمع صناعي، أو في مرحلة حداثة أو ما بعد الحداثة، أياً كانت نوعية المجتمعات وتطورها الحضاري فإنه لا يغير ثبات هذه العقيدة والاستمرار عليها، فهي عقائد ثابتة مستمرة إلى قيام الساعة، كما في الحديث الذي سبق أن أشرنا إليه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

هذا الثبات يجعل صاحب العقيدة لديه فقه في التعامل مع هذه النوازل، فالنوازل التي تمر عليه إذا كانت تقدح - مثلاً - في الغيبيات فهي باطلة.

وبناءً على هذا فإن المذاهب والأفكار الجديدة في البلاد الإسلامية يجب أن نقيسها بمقياس العقيدة الثابتة والمستمرة في ثباتها، فلا نقول: إن هذه العقائد انتهت، وإنها تتطور مع تطور المجتمع فإذا صار المجتمع صناعياً فإن عقائده تختلف عن عقائد المجتمع البدوي، أو القول بأن هذه العقائد كانت مرتبطة بأجيال معينة ذات صبغة معينة وأما الواقع المعاصر فتختلف، وهذه دعاوي العلمانيين في البلاد الإسلامية؛ فإنهم يقولون: إن هذه عقائد صحيحة من حيث المبدأ، وإن هذه المفاهيم مفاهيم صحيحة، لكن هذه المفاهيم وهذه العقائد وهذه النصوص القرآنية ظهرت في مجتمع معين، والعلاقة بين النص وبين المجتمع المعين لابد أن يكون لها أثر على النص.

فالعقائد المأخوذة كانت صحيحة في ذلك العصر، لكن مع الاختلاف الجوهري في الحياة بين المجتمع الذي نعيش فيه والمجتمع القديم يترتب على هذا أن تكون عقائد المجتمع المدني المعاصر مختلفة تماماً عن العقائد القديمة، سواء فيما يتعلق بالتعاون مع الكفار أو في الحكم والسياسة أو في الاقتصاد وأنواع المعاملات المالية أو في المرأة وما يتعلق بها من الناحية الاجتماعية أو في أنماط الأسرة أو في أي أمر من الأمور التي يمكن أن يحدث حولها النقاش أو تكون نازلة من النوازل التي يعيشها الناس.

والحقيقة أن الكثير من هؤلاء هم من المنافقين، يعني: ليسوا أصحاب منهج حقيقي يريدون الحق فيه، وإنما هم منافقون فظهرت مدرسة تسمى بمدرسة التاريخية أو تاريخية النص، هذه المدرسة عبارة عن مجموعة من الشيوعيين كانوا يؤمنون بالشيوعية وبالإلحاد الشيوعي، ولما سقطت الشيوعية وانتصرت القيم الليبرالية الغربية اتجهوا إلى المذهب الليبرالي، ولما ظهرت الصحوة الإسلامية وظهر التدين في الناس وأصبح الناس يتجهون إلى الدين دخلوا في الدين، وأصبحوا يكتبون في القضايا الإسلامية، فمثلاً: أحدهم - وهو الدكتور حسن حنفي - له كتاب بعنوان: (دراسات إسلامية) وعند أن تسمع بهذا العنوان تظن أن هذا كاتب إسلامي أو أنه شيخ أو باحث ودكتور من دكاترة العقيدة يكتب في هذا الموضوع، وله كتاب بعنوان: (التراث والتجديد).

فأصبحوا يكتبون في قضايا العقيدة ويكتبون فيما يتعلق بها من الأمور المعاصرة، فماذا يقول هؤلاء؟ يقولون: إن النص الموجود الآن هو نص تاريخي عاش في فترة معينة يجب أن يؤول بوسائل جديدة لم تكن موجودة في السابق! وبناءً على هذا فهم يؤولون نصوص الشرعية تأويلاً باطلاً، وهم يسمونها أنسنة الوحي، يعني: دعوة إلى أن الوحي أمر إنساني، وأنه لم يأت من عند الله سبحانه وتعالى عن طريق ملك من الملائكة، فيقولون: هو أمر إنساني وفيض إنساني، فالإنسان له قوة اجتهاده ورياضاته النفسية، وطبعاً هم يعتمدون على بعض الفلسفات الإلحادية القديمة عند اليونان وغيرها التي تقول: إنه يمكن تلقي الوحي والدين عن طريق الرياضة النفسية، فيقولون: إن هذا الوحي ليس من عند الله عز وجل، وإنما هو أمر ذاتي من الرسول بسبب الرياضة النفسية التي يستخدمها حتى تتوصل إلى هذا الوحي.

وبناءً على هذا فالقرآن بشري وليس بإلهي.

وبناءً على هذا أيضاً فدين الإسلام هو عبارة عن أفكار بشرية وليست إلهية، ولهذا هم ينكرون وجود الله أصلاً، ويفسرون الإسلام ت

<<  <  ج: ص:  >  >>