<<  <  ج: ص:  >  >>

[النفاق في المدينة]

تعرفون أن المصطفى عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة كانت المدينة تعج بالديانات المختلفة، وكان المسلمون فيها أقلية، وبعد ذلك بدأ الإسلام ينتشر شيئاً فشيئاً، ثم بدأت المعالم تتحدد، فبقي اليهود على ديانتهم، والمسلمون بدءوا ينتشرون ويتكاثرون، لكن وجد أناس على الشرك ولا يستطيعون المكوث على الشرك؛ لأن القضية ليس هناك رجل يمكث على هذا المنهج، إما أن يسلم وإما أن يقتل؛ لأن الإذن لهم قد حدد، وبالتالي فهؤلاء لا يريدون الإسلام، فترتب على ذلك أنهم دخلوا فيه كرهاً ونفاقاً، فصار أحدهم يخفي دينه الأصلي، إما أن يكون مشركاً أو نصرانياً أو يهودياً ويظهر خلاف ذلك، وبعد ذلك يخرج ما يضمره من عداء للإسلام، ويحاول أن يكيد للمسلمين، ولعل القصص كثيرة جداً مع هؤلاء، كما حصل في معركة أحد، وفي غزوة تبوك، وكذلك ما حصل في غزوة بني المصطلق وغيرها من جهود هؤلاء المنافقين في تثبيط الصف الإسلامي.

وبعد أن انتشر الإسلام وازداد، بدأ هؤلاء المنافقون يقلون شيئاً فشيئاً، يقول أحد العلماء حفظه الله: كان المصطفى عليه السلام عنده القابلية، والاستعداد، والقدرة على أن يقبض على هؤلاء المنافقين واحداً تلو الآخر؛ لأن الوحي يخبره بهم، فيقضي بذلك على النفاق، لكن القضية ليست قضية قضاء على أشخاص، ولكن القضية قضية منهج، فالإسلام أراد أن يحدد لنا من خلال هؤلاء الأشخاص منهج النفاق، حتى نعرفه ونعايشه في مستقبل الأيام، وهذا هو الذي نتج، فالمنافقون الأول انتشروا في وقت الإسلام الأول، لكن المنهج بقي ولم يتغير، وبالتالي فلو قضي على هؤلاء المنافقين، لكسب المصطفى عليه السلام عداوة، ألا وهي أن الناس يتحدثون أن محمداً يقتل أصحابه، لكن تركهم على ما هم عليه إلى أن أفناهم الدهر، وفي نهاية المطاف بقي المنهج، وهذا المنهج باقٍ لم يتغير، وبالتالي هذا المنهج عرفناه وعلمناه من خلال النصوص الشرعية في القرآن الكريم والسنة التي تحذر المسلمين منه شيئاً فشيئاً إلى أن تكامل المنهج.

ولذلك فإن كثيراً من الناس الآن يعرفون في لحن القول، ويعرفون بالتصرف، ويعرفون في الكتابة، يعرفون من خلال الإذاعة والتلفاز والصحافة إلى آخر ذلك بأنهم فعلاً يمثلون منهج النفاق.

<<  <  ج: ص:  >  >>