<<  <   >  >>

ليس العالم الإسلامي طائفة من الخلق منعزلة مما سواها، فهي قادرة على أن تكمل تطورها داخل وعاء مغلق، بل إنه يمثل في رواية الإنسانية دورين يقوم بهما في وقت واحد، دوره ممثلاً، ودوره شاهداً؛ هذا الاشتراك المزدوج يفرض عليه واجب التوفيق بين حياته المادية والروحية وبين مصائر الإنسانية. فهو لكي يقوم بدور مؤثر فعال في حركة التطور العالمي ينبغي أن يعرف العالم، وأن يعرف نفسه، وأن يعرّف الآخرين بنفسه، فيشرع في تقويم قيمه الذاتية، إلى جانب تقويمه لا تملكه البشرية من قيم. والحق أن من العسير الشروع في عمل كهذا، في عالم لا يخضع لأي مقياس، وهو ما عبر عنه المستشرق (جب) بطريقته المتغالية حين قال:

((لم يتح للحركة الحديثة Modernisme، أن تشق طريقها في العالم الإسلامي بوصفها تياراً ضخماً مؤسساً على نظريات ذات أصول سليمة ومعقولة، بل إنها وقد حرمت من الرقابة المنهجية في تفكيرها ألفت نفسها ضائعة وسط متاهات من الدوافع الذاتية، مندفعة بذلك إلى السقوط برأسها في هاوية لم تأخذ منها حذرها)).

ومع ذلك فإن هذا الاعتباط في التجربة، يبدو أنه- كما ذكرنا في الفصل السابق- قد أخلى مكانه لنوع من الفكر الناقد، والاهتمام بالمنهج منذ قضية فلسطين.

ويبدو أيضاً أن قرارات الحكومات وأعمالها تتجه شيئاً فشيئاً إلى فهم نفسها وفهم الآخرين، أعني أنها تحاول أن تتغلغل في فهم الغرب وفلسفته بصورة أعمق من ذي قبل. ولكن هذا كله، لم يتبلور بعد في صورة نشاط اجتماعي، يشمل مجموع العالم الإسلامي، ويستوعب جميع وسائله. فالعالم الإسلامي لم يبلغ بعد

<<  <   >  >>