<<  <   >  >>

لتستودعها مصائر الإنسانية، قد أخذت منذ عصر (بوكاشيو) - حين كانت حضارتها ترتضع في مهدها لبان حضارة العرب- تتنكر للحضارة الإسلامية تنكراً خالصاً سهلاً، وهاك ما قاله أحد الأوربيين في هذا الصدد، وهو الدكتور (غوستاف لوبون)، فإنه حين أراد أن يختتم دراسته عن (الحضارة العربية) اختتمها بهذا التأمل الحزين:

((لعل القارئ يتساءل: لماذا ينكر العلماء في هذه الظروف تأثير العرب، وقد كان أولى بهم أن يتنزهوا عن اعتبارات التفرقة الدينية؟ الحق أن استقلال آرائنا وتجردها ظاهري أكثر من أن يكون واقعياً، وأننا لا نكون البتة أحراراً في تفكيرنا- كما ينبغي- حيال بعض الموضوعات، فلقد تجمعت العقد الموروثة، عقد التعصب التي ندين بها ضد الإسلام ورجاله، وتراكمت خلال قرون سحيقة حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي)) ...

هذا النص يوضح بصورة غير مباشرة، ولكنها صريحة، موقف الحضارة الأوربية في وجه العالم الإسلامي منذ بداية التاريخ الاستعماري، وهو موقف يتفق وموقف هذا العالم الإسلامي من (أشياء) أوربا (وأفكارها)، حين ينظر إليها باحتقار شديد، مؤكداً أنه المستقر الوحيد لفضل الله ومواهبه.

فمن هذه الحقائق يسهل علينا أن نتخيل ضروب التناقض الداخلي التي جلبها الغرب إلى العالم الإسلامي القديم ... عالم إنسان ما بعد الموحدين.

***

<<  <   >  >>