<<  <   >  >>

الإسلام روحها وحضارتها، أو أن يكون هو قد سعى فعلاً ليكتشفهما في مواطنهما.

ومن البين أن عدداً كبيراً من المسلمين، لم يرحل في طلب الغرب (1)، فالحركة الحديثة لا تعدو على هذا مستوى يتخبط فيه مجتمع فقد توازنه التقليدي، إذ هي مكونة في جوهرها من عناصر خالية من المعنى مأخوذة عن المدرسة الاستعمارية، ثم يضاف إلى هذه العناصر، بعض العناصر الأخرى التي التقطتها اتفاقاً الشبيبة الجامعية، التي نشأت في طبقة متوسطة، وأقامت في أوربا إقامة قصيرة لم تهدف خلالها إلى معرفة الحضارة الغربية.

إن الأوربي لم يفد إلى الشرق بوصفه ممدّناً، بل بوصفه مستعمراً؛ والشاب المسلم المذكور، لم يذهب إلى أوربا إلا لكي يحصل على لقب جامعي، أو لكي يشبع فضوله السطحي التافه. ومما يلقي ضوءاً على هذا الرأي أن أحد طلبة جامعة الزيتونة قدم طلباً إلى الإدارة الثقافية يلتمس فيه السماح له باستكمال دراسته في فرنسا، بعد أن انتهى من دراسته الإسلامية، فاعترضت الإدارة على طلبه، وكان السبب هو: ((أنه لا حاجة مطلقاً إلى السفر إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية)).

هذه الملاحظة تبين بجلاء، كيف يتصور المجتمع الإسلامي دور الطالب الذي يسافر إلى أوربا، فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة، لا أن يكتشف ثقافة. فكل ما يهمه هو المنفعة العاجلة؛ لكنا لا ينبغي أن نعزو هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بحضارة الغرب فحسب، بل إن المدرسة الاستعمارية قد أسهمت في خلق هذا الوضع، إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوربية، بقدر


(1) كتب الدكتور (بونسارا) الكاتب الهندي مقالاً نشر في تشرين الثاني (نوفبر) 1949م في مجلة (الصدى) Echo تحت عنوان: (ماذا يمكن أن يعلمنا الغرب) فلاحظ أن ((كثيراً من خبراء الغرب يفدون إلى الشرق، بينما لا يزور الغرب من أبناء الشرق سوى حفنة ضئيلة لا تكاد تذكر)).

<<  <   >  >>