<<  <   >  >>

«كان القرآن على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة، لحديث عثمان السابق».

وحين أوهم كلام لابن عطية أن هذا القدر الذي رتبه الصحابة أكثر من هذا ... استدرك عليه بعض العلماء المحققين؛ قال ابن عطية- رحمه الله-:

«وظاهر الآثار أن السبع الطّوال، والحواميم، والمفصل، كان مرتبا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وكان في السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتّب وقت الكتب» (1).

قال أبو جعفر النحاس: «الآثار تشهد بأكثر مما نصّ عليه ابن عطية، ويبقى منها قليل يمكن أن يجري فيه الخلاف».

رابعا- حكم مخالفة ترتيب المصحف:

إن هذا الترتيب الذي نجده في المصاحف، مبدوءا بسورة الفاتحة، ومختتما بسورة الناس ... قد تم كما رأينا في العهد النبوي وفي الصدر الأول من الإسلام، ومضت الأمة على الالتزام بالعمل به هذه القرون المتطاولة من الزمان ... فصار العمل به والوقوف عنده لازما لا يجوز التحوّل عنه أو المصير إلى غيره، بل لا يجوز ذلك حتى لو كان مستند هذا الترتيب اجتهاد الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين-.

لا يجوز إذن طبع المصحف، أو «تأليف سوره في الرسم والخط خاصة» (2) بحسب عبارة بعض العلماء، على غير هذا الترتيب. أما تلاوة القرآن في الصلاة، وتعليم سوره في المساجد أو دور العلم ... فيجوز فيهما مخالفة هذا الترتيب؛ قال أبو الحسن بن بطّال: «ولا يعلم أن أحدا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة، وفي قراءة القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف! ألا ترى قول عائشة- رضي الله عنها- للذي سألها:


(1) المحرر الوجيز لابن عطية 1/ 54 طبع قطر.
(2) راجع القرطبي 1/ 61.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير