للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[المطلب الأول: أحكام الدنيا]

المقام الأول: أحكام الدنيا، وهو الحكم بالظاهر من حيث الإسلام والكفر، باعتبارهما صفتين جاء تحديدهما، وبيان شروط تحققهما في الشرع.

وهذا الظاهر هو الذي أمرنا بالتعامل به، وعليه تنبني جميع الأحكام المتعلقة بعصمة الدم والمال، والموالاة والمعاداة، وما يتفرع عنها من أحكام أخرى تتعلق بالأطفال والأنكحة والذبائح ...

وفي هذا المقام نستطيع أن نقطع في جملة الأمور، ومن ذلك أنه يجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام، فهو كافر، ومصداق ذلك قوله تعالى: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي في أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار)) (١).

ومما يستتبع هذا الحكم في الدنيا أن دماء الكفار وأموالهم ليست معصومة، إلا أن يكونوا معاهدين أو ليسوا من أهل القتال، أو كانت لهم ذمة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى)) (٢).

كما أن أطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، ودارهم دار كفر إذا كان حكمهم هو النافذ فيها، ولا يجوز للمسلمين أن يقيموا فيها، بل تجب عليهم الهجرة منها إلى دار الإسلام. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُون سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء: ٩٧ - ٩٩].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين. قيل: يا رسول الله ولم؟ قال: لا تراءى ناراهما)) (٣).

ومن ذلك – أي مما نستطيع القطع به في الجملة – أن من أظهر الإسلام وأقر بالشهادتين، فهو مسلم، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والموارثة، وتغسيله إذا مات والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين.

كما يجب له من الولاء الذي فرضه الله لكل مسلم على كل مسلم بالقدر الذي تتحقق معه النصرة والأنس والمعاونة التي يجب أن تكون بين المسلمين، حسب التزامهم بالإسلام ظاهراً. ويدخل في هذا جميع المسلمين، سواء كانوا صادقين في إسلامهم، أو كانوا منافقين مظهرين للإسلام مضمرين للكفر. هذا من حيث الجملة، أما التعيين، فمجاله التفصيل. الجهل بمسائل الاعتقاد وحكمه لعبد الرزاق بن طاهر بن أحمد– ص: ١٢٦


(١) رواه مسلم (١٥٣). من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢).
(٣) رواه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤)، والبيهقي (٨/ ١٣١) (١٦٩١٢). قال البخاري وأبو حاتم الرازي في ((البدر المنير)) لابن الملقن (٩/ ١٦٣): الصحيح أنه مرسل، وقال البيهقي: موصول، وقال ابن حزم في ((المحلى)) (١٠/ ٣٦٩): صحيح.

<<  <  ج: ص:  >  >>