للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[اثنان وعشرون: الآثار الإيمانية لاسم الله المعز المذل]

أن المؤمن عندما يدرك أن الله تعالى المعز المذل فإنه يجد في العزة مظهراً من مظاهر الثقة بالله تعالى ورسوخ اليقين والقوة في الدين والخلق. فعن طارق بن شهاب قال: خرج عمر بن الخطاب إلى الشام ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة له فنزل عنها وخلع خفيه فوضعها على عاتقه وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعها على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. فقال عمر: أوه لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله (١)

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر) (٢)

وقال الإمام ابن القيم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: ٥٤]: لما كان الذل منهم ذل رحمة وعطف وشفقة وإخبات عداه بأداة (على) تضميناً لمعاني هذه الأفعال، فإنه لم يرد به ذل الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذل اللين والانقياد الذي صاحبه ذلول، فالمؤمن ذلول كما في الحديث: ((المؤمن كالجمل الذلول، والمنافق والفاسق ذليل)) (٣)، وأربعة يعشقهم الذل أشد العشق: الكذاب، والنمام، والبخيل، والجبار.

وقوله: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ هو من عزة القوة والمنعة والغلبة، قال عطاء رضي الله عنه: للمؤمنين كالوالد لوده وعلى الكافرين كالسبع على فريسته، كما قال في الآية الأخرى: أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وهذا عكس حال من قيل فيهم:

كبراً علينا وجبناً عن عدوكم ... لبئست الخلتان الكبر والجبن (٤)

@ منهج الإمام ابن قيم الجوزية في شرح أسماء الله الحسنى لمشرف بن علي بن عبد الله الحمراني الغامدي – ص: ٤٣١


(١) رواه الحاكم (١/ ١٣٠)، والمنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٤/ ٣٥). من حديث طارق بن شهاب رضي الله عنه. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين .. ولم يخرجاه، وله شاهد. وقال الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (١/ ١١٧): صحيح على شرط الشيخين.
(٢) رواه البخاري (٣٦٨٤). من حديث قيس بن أبي حازم رضي الله عنه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) ((مدارج السالكين)) (٢/ ٣٤٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>