<<  <   >  >>

[المبحث الثالث الجمع في عهد عثمان رضي الله عنه]

لئن كان جمع أبي بكر للقرآن خوفا من ضياع المكتوب بموت حفظة القرآن، فإن جمع عثمان بن عفان كان خوفا من اختلاف الأمصار في وجوه القراءات، حين قرأه كل مصر بقراءة تختلف عن قراءة مصر آخر، وأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضا، وفي قصة حذيفة بن اليمان خير بيان لأسباب الجمع أو النسخ بتعبير أصح.

روى الإمام البخاري بسنده عن ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة ابن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.

وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف، ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مصحف أن يحرق (1).

1 - يتضح مما تقدم أن سبب الجمع والداعي إلى نسخ المصحف، هو منع التماري والاختلاف في القراءات، بسبب تفرق الصحابة في الأمصار، فقد كان كل فريق


(1) أخرجه البخاري في باب نزل القرآن بلغة قريش ح (3506) وباب جمع القرآن ح (4987)، والترمذي (3104). وأذربيجان التي فتحت قبل أربعة عشر قرنا كانت سببا في جمع القرآن.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير