<<  <   >  >>

والدليل الأصولي، وكثيرا ما كان يعرض للفقه المقارن، ومسائل الخلاف وغيرها من المصادر وأدوات الترجيح، بخاصة المصادر المالكية التي تبدو واضحة بجانب معظم المسائل الفقهية الراجحة عنده (1).

[ظاهرة التعصب للمالكية عند ابن العربي:]

وتبدو هذه الظاهرة واضحة في كتابه أحكام القرآن، وأمثلتها كثيرة يمكن الوقوف عليها في مواضع متعددة من كتابه، ومن ذلك على سبيل المثال:

عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6].

يقول ابن العربي: «المسألة الثانية والأربعون في تحقيق معنى لم يتفطن له أحد، حاشى مالك بن أنس لعظيم إمامته، وسعة درايته، وثاقب فطنته» (2).

ولقد بلغت هذه الظاهرة عند ابن العربي ذروتها، بحيث جعلته يرمي مخالفيه بالتهم، ويغلظ عليهم بما لا يليق وجلالة قدرهم ومكانتهم في الشريعة، لقد أغلظ القول على أبي حنيفة، رضي الله عنه، ووصفه بالضعف في الرأي والفقه، والخلط بين السفه والرشد.

قال في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً [النساء: 43].

قال: المسألة الثامنة والعشرون: قوله: «ماء»، قال أبو حنيفة: هذا نفي نكرة وهو يعم لغة فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير لانطلاق الاسم عليه. قلنا: استنوق الجمل؛ لأنه سيستدل أصحاب أبي حنيفة باللغات، ويقولون على ألسنة العرب، وهم ينبذونها في أكثر المسائل بالعراء!» (3).


(1) ابن العربي، أحكام القرآن 1/ 281، 2/ 531.
(2) أحكام القرآن 2/ 582.
(3) المرجع السابق 1/ 446.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير