<<  <   >  >>

وقد أوضح ابن عاشور دور اللغة فى المقدمات المذكورة هذه وعلاقتها بما عنون به كل مقدمة، وقام تفسيره على حيوية هذا الدور وتداخله، فما ترك من آية إلا واستوفى الجانب اللغوى حقه، يتناول كل كلمة منها، يفصل القول فيها من كل جانب لغويا كان أو شرعيا، حقيقة أو مجازا، يستعين بكل ما يمكن الاستعانة به من قرآن وحديث وشعر وقول مفسر. وعالم لغة أو غير ذلك من الشواهد، ومن وراء ذلك كله ثقافته الواسعة فى هذا الميدان، وبعد حديثه عن الكلمة من حيث دلالتها اللغوية أو الشرعية يذكر موقع الجملة التى جاءت فيها هذه الكلمة فى الإعراب ووجه العلاقة بينها وبين الجملة التالية لها، فالسورة عنده تمثل وحدة عامة مهما كان تعدد أغراضها.

ومما ذكره فى" المقدمة الثانية" فى بيان دور اللغة وقواعد العربية وعلاقتهما بفهم معانى القرآن.

«أما العربية فالمراد منها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدب لغتهم سواء حصلت تلك المعرفة بالسجية والسليقة، كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين نزل القرآن بين ظهرانيهم، أم حصلت بالتلقى والتعلم كالمعرفة الحاصلة للعرب الذين شافهوا بقية العرب ومارسوهم، والمولدين الذين درسوا علوم اللسان ودونوها.

إن القرآن كلام عربى فكانت قواعد العربية طريقا لفهم معانيه، وبدون ذلك يقع الغلط وسوء الفهم، لمن ليس بعربى بالسليقة، ونعنى بقواعد العربية مجموع علوم اللسان العربى، وهى: متن اللغة، والتصريف، والنحو، والمعانى، والبيان، ومن وراء ذلك استعمال العرب المتّبع من أساليبهم فى خطبهم وأشعارهم وتراكيب بلغائهم» (1).


(1) التحرير والتنوير، ج 1، ص 18.

<<  <   >  >>