<<  <   >  >>

البعيد التفادى من دفع أضرار المحارب عن قوم كان فيهم بتسليط ضره على قوم آخرين وهو نظر يحمل على التأويل، ولكن قد بين العلماء أن النفى يحصل به دفع الضر لأن العرب كانوا إذا أخرج أحد من وطنه ذل وحصدت شوكته، قال امرؤ القيس:

[به ذئب يعوى كالخليج المعبل]

وذلك حال غير مختص بالعرب فإن للمرء فى بلده وقومه من الإقدام ما ليس له فى غير بلدة.

على أن من العلماء من قال: ينفون إلى بلد بعيد منحاز إلى جهة بحيث يكون فيه كالمحصور. قال أبو الزناد: كأن النفى قديما إلى (دهلك) وإلى (باضع) وهما جزيرتان فى بحر اليمن» (1).

واللغة هنا كانت عونا له فى استنباط معنى النفى، وهو عدم الوجود، والمراد: الإبعاد جزاء لمن يحاربون الله ورسوله، وما قال به أبو حنيفة وبعض العلماء إنه السجن دفعا للضر الذى يسببونه هؤلاء إذا نفوا إلى ديار قوم آخرين، وذلك ما حملهم على هذا التأويل، ومن ثم ذهب ابن عاشور يذكر أقوالا أخرى على لسان فقهاء آخرين، والنفى يحصل به دفع الضر على عادة العرب، وإن ذلك أمر غير مختص بالعرب، فالنفى أو المستبعد إلى غير دياره لا يملك الفعل أو القول الحر، أما ما ذكره عن بعض العلماء" ينفون إلى بلد بعيد"، وقول أبى الزناء" كان النفى قديما إلى دهلك" فهو إصرار من المفسر على المعنى اللغوى للنفى كما عرفه العرب من كلامهم، وتقريره لما ذهب إليه أبو حنيفة وبعض العلماء كان تقديرا للبواعث فحسب.


(1) التحرير والتنوير، ج 6، ص 184.

<<  <   >  >>