<<  <   >  >>

وابن عاشور المالكى المذهب لم يقف تفسيره لآيات الأحكام على أقوال رجال هذا المذهب، وإنما كان يستعين بكل قول من المذاهب الفقهية الأخرى فيما يناسب الآية، ولا يمنع ذلك من نصرته للمذهب المالكى مع ذكر من قال بذلك الحكم من الصحابة والتابعين على طريقة مالك فى استنباط الأحكام وقواعده ومنها" عمل أهل المدينة".

[خامسا: الاستعانة بأقوال الفلاسفة وعلماء الهيئة:]

وهى من الوسائل التى استخدمها ابن عاشور فى التفسير بالرأى، يستعين بها أحيانا فى الحدود التى ذكرها فى المقدمة الرابعة ... قال:

«الحكمة وإن كانت علما اصطلاحيا وليس هو تمام المعنى للآية إلا أن معنى الآية الأصلى لا يفوت، وتفاريع الحكمة تعين عليه، وكذلك أن تأخذ من قوله تعالى: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ (1) تفاصيل من علم الاقتصاد السياسى، وتوزيع الثروة العامة، وتعلل ذلك مشروعية الزكاة والمواريث والمعاملات المركبة من رأس المال وعمل على أن ذلك تومئ إليه الآية إيماء» (2).

أى أن هذه الأقوال، لا تعنى وحدها المقصود من الآية، وإنما هى تعين على فهمه، أو تشير إليه على نحو من الأنحاء، كما فى الآية المذكورة فى الفقرة السابقة، ولكن يبقى المعنى الأصلى من عمل المفسرين، ويقول عن بعض العلوم الأخرى: «وإن بعض مسائل العلوم قد تكون أشد تعلقا بتفسير آى القرآن كما تفرض مسألة كلامية لتقرير دليل قرآنى مثل برهان التمانع لتقرير معنى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (3)، وكتقرير مسألة المتشابه


(1) سورة الحشر: الآية 7.
(2) التحرير والتنوير، ج 1، ص 43.
(3) سورة الأنبياء: الآية 22.

<<  <   >  >>