للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[المبحث الثاني: الجزية]

ما يزال البعض - ممن حرم التحقيق والإنصاف - يعيب على المسلمين ما قرره القرآن من الجزية على الذين رفضوا الدخول في الإسلام، {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: ٢٩) واعتبروا الجزية نوعاً من الإكراه على الإسلام، وأنها جزاء وعقوبة على الكفر، وأن فيها ظلماً لأهل الذمة، وزاد نفورهم من هذه الشرعة حين قرؤوا قوله تعالى: {وهم صاغرون} فأخطؤوا ثانية في فهمها ومعرفة مراد الله فيها.

ولسوف نعرض في هذه الدراسة لمعنى الجزية والصغار، والحكمة منها ومقدارها، بعد أن نلقي إيماءة على تاريخها:

أولاً. معنى الجزية في اللغة والاصطلاح

الجزية اسم قديم أطلقته الأمم على ما تدفعه الأمم المغلوبة لغالبيها من مال جزاء الخدمات المقدمة إليهم.

وقد استعمل المسلمون هذا الاسم في معاملتهم لمواطنيهم غير المسلمين، وذلك لموافقته ودلالته على المعنى المراد به في شرعة المسلمين، فالجزية في لغة العرب مشتقة من مادة (ج ز ي)، والعرب تقول: "جزى، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه"، والجزية مشتق على وزن فِعلة من المجازاة، بمعنى "أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن"، وقال ابن المطرز: بل هي من الإجزاء "لأنها تجزئ عن الذمي" (١).

وعلى كلا المعنيين فهي ليست - كما زعم بعض الفقهاء وتلقفها المتربصون - عقوبة ينالها الكافر على كفره، فإن عقوبة الكفر لن تكون بضعة دنانير.

ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلاً من أن يُعفوا منها.

قال الباجي: "الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم" (٢).

وقد تبين لنا قبلُ أن الله هو يتولى حساب من كفر به في الآخرة: {قل الله أعبد مخلصاً له ديني - فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين} (الزمر: ١٤ - ١٥).

وأما الجزية عند أهل الاصطلاح فعرفها ابن قدامة بقوله: "هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام" (٣).


(١) الجامع لأحكام القرآن (٨/ ١١٤)، وانظر: فتح الباري (٦/ ٢٥٩)، والمغرب في ترتيب المعرب (١/ ١٤٣)، وانظر مختار الصحاح (١/ ٤٤).
(٢) المنتقى شرح موطأ مالك (٢/ ١٧٥).
(٣) المغني (٩/ ٢٦٣).

<<  <   >  >>