تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <  ج: ص:  >  >>

[أقسام الإيثار:]

أولاً: أقسامه من حيث تعلقه بالغير:

ينقسم الإيثار من حيث تعلقه بالغير إلى قسمين:

القسم الأول: إيثار يتعلق بالخالق:

وهو أفضل أنواع الإيثار وأعلاها منزلة, وأرفعها قدراً, يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا – أي من الإيثار المتعلق بالخلق- وأفضل وهو إيثار رضاه على رضى غيره وإيثار حبه على حب غيره وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره) (1).

ولهذا النوع من الإيثار علامات دالة عليه, وشواهد موضحة له, لا بد أن تظهر على مدعيه, وتتجلى في المتحلي به وهي علامتان:

إحداها: أن يفعل المرء كل ما يحبه الله تعالى ويأمر به, وإن كان ما يحبه الله مكروهاً إلى نفسه, ثقيلاً عليه.

الثاني: أن يترك ما يكرهه الله تعالى وينهى عنه, وإن كان محبباً إليه, تشتهيه نفسه, وترغب فيه.

يقول ابن القيم: فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار (2).

صعوبة هذا الإيثار على النفس:

جبلت النفس إلى الراحة والدعة والميل إلى الملاذ والمتع, كما جبلت على البعد عن كل ما يشق عليها أو ينغص متعتها أو يحد من ملذاتها, ولما كان هذا النوع من الإيثار يضاد ما جبلت عليه النفس من الراحة والدعة كان صعباً عليها التلبس به, أو التخلق والتحلي بمعناه.

يقول الإمام ابن القيم مبيناً صعوبة هذا النوع من الإيثار وثقله على النفس:

ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير على من يسره الله عليه (3).

وإن كان هذا النوع من الإيثار شديد على النفس صعب على الروح إلا أن ثمراته وما يجنيه الشخص منه تفوق ثمرات أي نوع من الأعمال, فنهايته فوز محقق وفلاح محتوم, وملك لا يضاهيه ملك.

(فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي العبد ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (4).

القسم الثاني: إيثار يتعلق بالخلق:

وهذا هو النوع الثاني من أنواع الإيثار من حيث تعلقه بالخلق .. وقد قسم الشيخ ابن عثيمين رحمه الله هذا النوع من الإيثار إلى ثلاثة أقسام فقال:

ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

1. الأول: ممنوع والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.

- القسم الأول: وهو الممنوع: وهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعاً .... فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل لأنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.

- القسم الثاني: وهو المكروه أو المباح: فهو الإيثار في الأمور المستحبة وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحة.

- القسم الثالث وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحباً وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي. (5)

شروط هذا النوع من الإيثار:


(1) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 449)
(2) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 450)
(3) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 450).
(4) ((طريق الهجرتين وباب السعادتين)) لابن القيم (1/ 450).
(5) ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/ 416 - 417)

<<  <  ج: ص:  >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير