فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[عاشرا: عوامل ظهور الليبرالية في العالم الإسلامي]

أولا: الانحراف العقدي:

الانحراف العقدي هو السبب المباشر في ضعف الأمة الإسلامية وتخلفها وانحطاطها، وتراجعها في القرون المتأخرة، وتأثير الذنب (الانحراف العقدي) في الإنسان والمجتمع حقيقة شرعية، وسنة ربانية قدرها الله تبارك وتعالى في هذه الأمة، وهي من باب العقوبة على الذنب بالمصيبة. ويدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11]، وقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ [الأنفال:53]، فالضعف والهوان، والقابلية للمبادئ المنحرفة حصلت في الأمة الإسلامية بعد التغيير والتبديل في العقائد والتصورات.

.... ولبيان حقيقة الانحراف العقدي في الحياة الإسلامية العامة، وآثاره العميقة، فإنه يجدر بنا توضيحه من خلال النقاط التالية:

أ- الفرق الباطنية المنحرفة وآثارها:

الباطنية: اسم عامل يدخل تحته عدد كبير من الفرق الكافرة في الحقيقة مع بقاء انتسابها للإسلام في الظاهر، ومنها: الإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والقاديانية، والبهائية، والرافضة لاسيما في العصور الأخيرة. وليس المقصود هنا بيان عقائدهم على التفصيل، ولكن المقصود بيان آثار هذه الفرق على المجتمع الإسلامي، فمن هذه الآثار:

1 - إشاعة العقائد الكفرية بين المسلمين، وإلصاق هذه العقائد بالإسلام، فهذه الفرق لا تدعي أنها أديان مستقلة عن دين الإسلام، بل يدعي أصحابها أنهم مسلمون مع المناقضة التامة بين عقائدهم وبين الإسلام.

2 - تفريق صفوف المسلمين وإشاعة الفوضى والاضطراب فيها، وقد كان لهم دول وحكومات وحركات وجماعات، وقد قاموا بحروب طاحنة داخل المجتمع الإسلامي، وأشغلوا الدول الإسلامية بمقاومتهم ورد كيدهم.

3 - التعاون مع اليهود والنصارى للكيد بالمسلمين؛ وقد كان لهم دور خبيث في إعانة الاستعمار ومساعدته في الاستيلاء على بلاد المسلمين ... ,

ب- الإرجاء وآثاره:

يعتبر الإرجاء من أخطر الانحرافات العقدية المؤثرة في حياة المسلمين، فمسألة الإيمان أهم مسألة عقدية لأنها أصل الدين وأساسه، وهي المعيار في معرفة المؤمن من الكافر، والموحد من المشرك، فالانحراف فيها لابد أن يكون له آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي ... ,

ج- التصوف وآثاره: ظهر التصوف في فترة مبكرة من تاريخ المسلمين (1)، وتعود مصادره إلى نساك الهنود والفلسفة اليونانية الإشراقية، والزهد المسيحي وغيرها (2)، وقد أطلق عليهم كتاب الفرق الأوائل اسم " الزنادقة " (3)، ولا شك أن التصوف بصورته الراهنة ليس له علاقة بالزهاد والعباد الأوائل، بل هو بعيد كل البعد عن عقيدة الإسلام وسلوكه ... ,

ثانيا: الاستبداد السياسي:

وقد وجدت أسباب ساعدت في نموه، وبررت لوجوده، ودافعت عنه، ودعمته حتى وصل إلى هذا الحد المزري في الأمة.

ومن هذه الأسباب:

ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

انتشار عقيدة الإرجاء والجبر – كما سبق – من خلال الصوفية والأشاعرة والماتريدية، وهاتان العقيدتان لهما تأثير كبير في ظهور روح الاستسلام للظلم، وتهوين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالإرجاء يبرر الطغيان ويعتذر له.

دعم القوى الاستعمارية الأجنبية، والتي من مصلحتها بقاء الأمة الإسلامية تحت سلطة الأنظمة الاستبدادية، وهذا الدعم لا تكاد تخطؤه العين, ولا يزوغ عنه الفكر.

ثالثا: الجمود والتقليد:


(1) (14) ((تحرير المرأة)) (:79،68،67).
(2) (15) ((انظر تحرير المرأة)) (ص:83).
(3) (16) ((قاسم أمين)) (:192 –193).

<<  <  ج: ص:  >  >>