فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على التطور والارتقاء في حياة الإنسان والحيوان والنبات ولو كان للطفل المولود أسنانا حادة من أول يوم لما أرضعته أمه ولو ولد شابا لما وجد ذلك الحنان بينه وبين أمه وأبيه وأهله ولو كانت الشمس تسطع حرارة منذ بزوغها لما وجد لها هذا الحب في استقبالها وفي غروبها كل يوم ولكن الملاحدة قلبوا الأمر فجعلوا ما كان دليلا واضحا على قدرة الله تعالى ووجوده جعلوه دليلا على إنكار وجوده لأن قلوبهم غلف وقد طبع الله عليها.

وأما ما زعموه من أن الكائنات الحية نشأت عن التولد وأن تكيفها مع الظروف هو الذي أبقاها فإنه يقال لهم إن هناك حقائق مسلمة لا يعارضها عقل ولا دين بحال، بل يؤكدها الدين والعقل بدلالتها على الخالق العظيم ولا يصح أن يقال أنها دليل على صحة نظرية التطور التي يثبتها الملاحدة وهي:

1 - الكائنات الأدنى كالنبات وجدت قبل الكائنات الأرقى كما يذكر الباحثون فالإنسان هو أرقى الكائنات الحية وجد متأخرا بينما النباتات وجدت أولا فإن الله عز وجل خلق السموات والأرض وخلق الأرض وقدر فيها أقواتها وما يحتاج إليه البشر حين يوجدون عليها.

2 - يوجد كثير من أوجه الشبه بين الكائنات الحية كالإنسان والقرد ومع ذلك بقي كل كائن كما هو على طول المدى لم يتحول القرد إلى إنسان ولا الإنسان إلى قرد. 3 - الكائنات الحية تملك قدرة على التكيف مع الظروف "ظهور المناعة لمقاومة الأمراض، تغير لون الجلد لمقاومة الحرارة وأشعة الشمس .. الخ (1).

ويقال لهم في توجيه ذلك: إن كل هذه الثوابت لا يعارضها الدين أو العقل وهي من أوضح الأمور على قدرة الله تعالى الذي منحها هذه الصفات فإن ترتيب وجود الكائنات يعود لمشيئة الله تعالى كذلك ولا يلزم من وجود الكائن الأول أن الكائن الذي يليه تولد عنه، فإن الإنسان مع وجوده متأخرا لا يصح أن يقال أنه تولد عن النبات الذي سبقه في الوجود، وإلاّ لزم التسلسل فإنه يقال لمن يريد إثبات ذلك والنبات أيضا عن أي شيء تولد؟ فلو قال من اجتماع أجزاء المادة يقال له وأجزاء المادة أيضا من أي شيء تولدت؟ وهكذا فلا يجد جوابا في النهاية إلا التسليم رغم أنفه شاء أم أبى.

وأما وجود التشابه بين الكائنات الحية فلا يعني هذا أيضا أن كل كائن تولد عن شبهه فلا يصح أن يقال أن القرد تولد عن الإنسان أو الإنسان تولد عن القرد لما بينهما من تشابه لا يمكن هذا إلا في نظرية "دارون" وقد عرفت سخافتها، بل إن العلم والدين كلاهما يثبتان أن التشابه بين الكائنات الحية مع بعضها البعض أو مع بعضها وأخرى ليست من جنسها إنما هو دليل قاطع على أن مصدر الإيجاد واحد وهو الله تعالى ولو أن الكائنات كلها تولد بعضها عن بعض لما كان هناك فرق، في مفاهيم العقلاء بين أن تقول لإنسان أنت قرد أو كلب أو شجرة وبين أن تقول له أنت إنسان أو قمر أو وردة لحصول التولد الذي زعمه الملاحدة بنظرياتهم السخيفة إذ ما دامت الكائنات كلها تولدت عن بعضها البعض فلا يبقى بينهم أي فارق حقيقي.


(1) انظر ((المذاهب المعاصرة)) (112 - 113).

<<  <  ج: ص:  >  >>