مسار الصفحة الحالية:

[صفحة من التاريخ]

النساء في الأندلس

إن الناظر في تاريخ المسلمين في الأندلس ليقضي عجباً إذ يرى ضروب الحضارة جمعاء من علم وأدب وصناعة وتجارة وفلسفة وطب وزراعة واختراع وجيش بري وبحري وأسطول ودولة وما إلى ذلك قد أربت على الغاية حتى ليصح للناظر أن يقول إن مدينة الأندلس كانت بحيث لا يتعلق بأذيالها مدينة أمة أخرى في هاتيك الأزمان، بل يرفع عقيرته قائلاً إن هذه المدينة جاءت سابقة أوانها، لا بل كانت حلماً في الكرى أو خلسة المختلس.

ولسنا نقصد بهذه الرسالة إلى التعرض لجميع أنواع الحضارة العربية في الأندلس فإن ذلك قد أتينا عليه مفصلاً في كتابنا حضارة العرب في الأندلس الذي نسأل الله أن يعين على تمامه وإنما النية بهذه الرسالة أن تذكر طرفاً مما كان عليه نساء الأندلس من علم وأدب عسى أن يكون لنا من ذلك عبرة إن شاء الله.

فأول ذلك أن كان في أحد أرباض (ضواحي) قرطبة أيام عبد الرحمن الناصر مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي: وكان لبعض قضاة لوشة إحدى مدائن الأندلس زوجة بزت العلماء في معرفة الأحكام والنوازل وكان قبل أن يتزوجها وصفت له فتزوجها فكان يجلس في منصة القضاء فترفع إليه الخصومات وتنزل النوازل فيلجأ إليها فتشير عليه بما يحكم به: وقد كتب إليه بعض أصحابه يداعبه.

بلوشة قاض له زوجة ... وأحكامها في الورى قاضية

فيا ليته لم يكن قاضياً ... ويا ليتها كانت القاضية

فأطلع زوجته على هذه المداعبة فقالت ناولني القلم فناولها فكتبت بديهة:

هو شيخ سوء مزدري ... له شيوب عاصية

كلا لئن لم ينته ... لتسفعاً بالناصية

ومن مشهورات نساء الأندلس حمدة ويقال حمدونة بنت زياد المؤدب الوادي آشي من وادي آش إحدى مدائن الأندلس واحتها زينب.

قال المقري وحمدونة هي خنساء المغرب وشاعرة الأندلس وممن روى عنها أبو القاسم بن