فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

[حوادث الأسبوع]

مات اليوم فيلسوف الشرق

مات الدكتور شبلي شميل. مات اليوم فيلسوف العرب بل الشرق كله في القرن التاسع عشر. مات الرجل الحر الذي صدع أغلال الجمود وأمعن في حرية الفكر وحرية القول بين أقوام عرفوا بالجمود والتنطع في المحافظة على القديم، الأمر الذي سبب مغالاة هذا الرجل الكبير في تمرده على الذين فإن الضغط الشديد يحدث دائماً الانفجار الجديد الشديد. مات الدكتور شبلي شميل والموت حتى وكل من عليها فان ولكنها الأثرة وحب الإنسان نفسه وخوفه من الغيب كل ذلك جعله يتثبت بهذه الحياة الدنيا على الرغم من تزاحم كدارها، وأعماه عن هذه الحقيقة الملموسة (الموت) التي نراها بأعيننا وآذاننا كل يوم بل كل ساعة بل بين كل غمضة عين وانتباهتها ومع ذلك لا تعتبر ولا تنفع الذكرى فمثلنا في ذلك مثل قطيع من الغنم تهجم عليه الذئاب من حين إلى حين وكلما هجمت ذعرت الأغنام وطارت شعاعاً حتى إذا توارت الذئاب عنها تضامت واطمأنت ومضت لطيتها كأن لم يكن ثمت شيء. غريب مع ذلك أمر هذه الحياة التي هي أشبه برواية تمثيلية مرسخها الأرض وليلها الستر والنهار الملعب. غريب أمرها جداً - أمرها المضحك ولكنه الضحك الذي كالبكاء فقد لقينا الدكتور قبل نعيه بيومين - يومين فقط - وقد كان ممتلئاً صحة وعافية ومرحاً على الرغم من شيخوخته وإسناده في حدود السبعين. وأخذ يسمعنا إحدى روايات الشاعر راسين وقد نقلها إلى العربية شعراً منسجماً يقطر عذوبةً وقد كان في عزمه أن يطبعها ويقدمها إلى الأجواق العربية لتمثلها في مراسحها ثم انتقلنا بعد ذلك إلى حديث مذكراته التي وضعها في أيامه الأخيرة وضمنها كل شيء وأبى إلا أن ينشرها في البيان الذي كان يحبه ويحترمه ويعجب به الإعجاب كله ويحنو عليه حنو الأم الرؤم على وحيدها فأخذنا منه المذكرات التي يرى قراؤنا اليوم الأول منها منشوراً في هذا العدد - وأول الغيث قطر ثم ينهمل - ثم فارقناه على أن نتقابل اليوم الاثنين أول يناير سنة 1917 فما جاء اليوم حتى كأنا أحسسنا موته واستحالة لقياه فصادف أن حال عملنا دون مقابلته وكان ذلك حوال الساعة العاشرة صباحاً فاكتفينا بأن نكلمه بواسطة التلفون فما كدنا نضع السماعة على الأذن ونسأل عن الدكتور حتى سمعنا هذه الكلمة لقد توفى الدكتور الساعة فما كان