[باب الأخلاق والاجتماع]

مختارات من ليوباردى

الفيلسوف المتشائم

أغنية الديك

قالوا أنه يوجد بين الأرض والسماء ديك بري، ساقاه يلمسان أديم الأولى ومنقاره وعرفاه ينطحان صفحة الثانية، وقد أوتى هذا الديك العظيم قوة العقل والمنطق، ولقن كما يلقن الببغاء علم الكلام، وإن كنت لا أعلم الذي لقنه، ولا أدري عمن أخذ هذا العلم، ولقد إعتاد هذا الديك فغي نسمات السحر، ومقتبل هجمة الصباح، أن يصيح بأغنيةٍ له غريبة، وترنيمةٍ مدهشة. وقد عثرت بها مكتوبة بالعبرانية، فحدثت نفسي أن أنقلها إليكم. وأفكهكم بمعانيها، وقد نجحت في ذلك بعمد البحث الطويل والجهد الشديد، ولكني لم أستطع أن أعرف إذا كان هذا الديك لا يزال يغني كل صباح أغنيته، أم قد أمسك اليوم عنها.

والآن هذه أغنية ديك الصباح فاسمعوا.

أيها الناس، أفيقوا، أيها الأحياء انهضوا، هذا هو اليوم يعود إلى دورته، هذه هي الحقيقة تراجع إلى الأرض، إن الأحلام الكاذبة تختفي الآن وتحتجب، أنهضوا أبناء الموت إلى عبء الحياة، دعوا جانباً عالم الأحلام، وتعالوا إلى عالم الحقيقة.

هذه هي الساعة التي فيها تذكرون آراءكم في الحياة وظنونكم، وتستعرضون في أذهانكم أمور عيشكم، وتستعيدون ما كان يجول في خواطركم من نياتكم وشؤونكم وآمالكم، وتتوقعون المسرات والمتاعب التي قد يسوقها يومكم الجديد إلى ناحيتكم، وإنكم لتودون جميعاً أن تستشعروا المشاعر السارة والأماني العذبة، والعلالات الفرحة الناضرة، ولكن هذه الرغبة لا توهب إلا للقليلين، لأن اليقظة مؤلمة للجميع، إذ لا يكاد المنكوبون المتألمون يفيقون من نومهم حتى يفيق معهم إحساسهم بشقائهم وعذابهم، ولئن كان لا شيء أعذب من ذلك النوم الذي يحبئ به الفرح والراحة والأمل، ويمتلئ بالرؤيا البديعة، ويبارك بالحلم الذهبي، فإن تأثيره لا ينى أن يضمحل ويزول برجعة اليوم ومهب الصبح.

فلو أن نوم الناس كان دائماً، ولو أن الحياة كانت نوماً، ولو أن الأحياء تحت كوكب النهار يظلون في سبات عميق ساكن فلا أحد يذهب إلى العمل، ولا إنسان ينطلق إلى الكدح