[مركز المرأة الإجتماعي]

(4)

إن الأمة المصرية على الرغم من رسوخ قدمها في المدينة وعلو كعبها في الحضارة لا تزال متمسكة ببعض العادات القديمة التي أورثتها إياها القرون الغابرة. وهذه العادات غير ملتئمة مع بعضها لاختلاف المصادر التي استقيناها منها وغير منسجمة مع المدينة الحديثة لاندثار الظروف الإقتصادية والبيآت الإجتماعية التي ولدتها وقيام ظروف وبيآت أخرى.

فلا نزال إلى الآن نقابل البنت ساعة ميلادها بانقباض وكسوف بال ونعتبر المرأة التي لم ترزق بذكر عاقراً وإن كان لها من البنات عشر. وكلما كثر عدد بناتها خجلت من نفسها وعيرتها أترابها بذلك ويرثي الناس لحال زوجها كأنه أصيب بداهية دهماء.

ولهذا الشعور أصل تاريخي وذلك أن القبائل المتوحشة التي تعيش على النهب والصيد لا تكسب قوتها إلا بشق الأنفس ولا تحصل منه إلا على القدر الضروري ولا يفيض عن قوت يومها شيء وإن فاض فنزر ضئيل. والمرأة لضعفها ورقة تركيبها عاجزة عن معاونة الرجل في أعمال الصد والقتال. فهي بطبيعة الحال عالة تعيش من كسب غيرها. وبقدر عدد النساء تقل أقوات القبيلة ويشتد الضيق على أفرادها. فلا عجب إذا رغب المتوحشون عن المرأة وكرهوا وجودها وعملوا جهدهم على تقليل النساء بوأدهن.

أما الآن فلا مبرر لهذا الشعور حيث انفتحت أمامنا سبل الحياة ونبذنا الصيد والقتال إلا اللهو أو حرب ضرورية واحترفنا بمهمة أخرى كالزراعة والتجارة والصناعة وتوفرت لدينا طيبات الحياة وأصبحت المرأة قادرة على معاونة الرجل في أعماله بل أصبحت خير معين له كلما سمحت لها العادات والظروف بإظهار كفاءتها.

ولا تلبث البنت تثمر وتنتزع حتى تشعر بضعة مركزها وتمييز أخيها عنها في الحقوق. إن اختصت معه لا تجد لها منصفاً بل ينقلب عليها أبواها يعنفانها وينصرانه عليها ولو كان ظالماً.

يهشان في وجهه ويفرحان بلقياه ويخصانه بلذيذ الطعام وجميل الثياب وهي تنظر إليه عن كثب بحسرة تفتت قلبها من غير أن تجرأ على الشكاية. بل تثور في نفسها وتذرف الدمع غيرة وانكساراً.