مسار الصفحة الحالية:

[إيمان الملحدين]

خاتمة الشاعر هايني

لا يزال العالم حافلاً بالملاحدة، ولكنهم لا يزالون منتشرين في الأرض متفرقين في رحاب الدنيا، لا تجمعهم جامعة، ولا تؤلف بينهم وحدة، ولا يحتويهم معبد يعبدون فيه الصورة الجديدة التي يريدون أن يضعوها إزاء صور السماء، ولو اجتمعوا فرقة واحدة، والتأموا طائفة منظمة، لشهدت الأرض مرة أخرى حرباً مخيفة من حروب الأديان، ولحشد أهل الملل التي تحمل ألوية الأنبياء، وتعيش على شعائر السماء، كل قوة لقتالهم، وجاؤوا بكل سلاح لإبادتهم، ولكن المؤمنين والمتدينين يعتصمون بالصبر، ويرتضون وجود الملاحدة بينهم، لأنهم يعلمون أن الملاحدة لا يستطيعون لقلتهم ضراً، ولا يحدثون خطراً ولا ويلاً، وهم لا يكادون يظهرون في الجماعات إلا فرادى. ولا يخرجون إلا متباعدين، وقد تلتقي أنت في الطريق برج منهم وأنت تعلم في نفسك أن الإيمان راسخ في فؤادك وأن الدين هو قبلتك، فتشعر بشيء من الدهشة والفكاهة والروح عند رؤيته، وتروح تجيل البصر في هذا المخلوق الصغير الذي يهزأ بعشرة آلاف سنة من الدين، ويتطاول هذا القزم الضعيف، الذي لا يكاد يبلغ في طوله ركبة أحقر عفريت من عفاريت العالم الأسفل، إلى عرش الملكوت الأعلى، وتندهش أن ترى هذه الآنية الفخارية التي تتحطم من أقل عارض من عوارض الجو، تريد أن تنسى الصانع العظيم الذي أخرجها قالباً جميلاً من الطين، وقد يدخل عليك السرور كله أن تستمع إلى حديث هذا المتمرد الفار من الخدمة الإجبارية لله، هذا الجندي الضعيف الذي يريد أن يعصي أوامر القائد الجبار الذي يحرك خطواته في معركة الحياة، وإنك لتصغي إليه فتحس الإيمان الذي في فؤادك يريد أن يغضب ويخرج لمعارضته ومجادلته، ولكنك تعود فتشعر بأن هذا الملحد الذي أمامك خليق بالرحمة، قمين بالرثاء، لأنه في مرحلة قاسية من مراحل الفكر لا يستطيع أن يخرجه منها إلا الله نفسه، ولا يستطيع أحد إقناعه إلا الذي أرسل في فؤاده من قبل فكرة إنكاره، فتتولى عنه، وأنت حزين النفس لأنك لم تستطع أن تربط السلك الكهربائي بين فؤاده وفؤادك، حتى تصل إليه حرارة إيمانك، ونور يقينك، وأغرب ما في الإلحاد أنه لا يقع إلا عند أهل الفكر، ولا تجد جاهلاً في الملاحدة، لأن الجاهل لا يستطيع أن يناقش الإحساس العميق المؤمن الذي يجري