[الإسلام في انجلترا]

هناك في ناحية من لندن المختنقة بالسكان، عاصمة دولة الشعب البريطاني، في وسط آلاف الكنائس، وعديد المعابد والهياكل، وعلى مرأى ومسمع من القساوسة وأقطاب الدين المسيحي ينهض مسجد للمسلمين، بقبابه العالية، ومآذنه المتطاولة، وطارزه العربي البديع، حيث تؤدى فرائض الشريعة المحمدية، ويسبح فيه باسم الحنيفية البيضاء، وتلقى فيه أبدع المحاضرات في أمهات الإسلام، وأعوص مشاكله وموضوعاته - ونعني به مسجد (ووكنج) على بعد نصف ساعة من محطة واترلو، فهو منتدى كبار الإنكليز الذين اعتنقوا الدين الإسلامي، وصفوة علماء الهنود وأكابرهم الذين نزلوا ببلاد الانجليز، ويصيبون الرزق فيها من صناعاتهم الأدبية والعلمية والفنية، كالصحافة والأدب، والطب والمحاماة.

وقد تكاثر اليوم عديد الإنكليز المفكرين وأهل الطبقة العليا الذين دخلوا في الدين الإسلامي بعد أن دققوا النظر في درسه، وأمعنوا في بحثه وتغلغلوا في صميمه ولبه، وإنك لترى كتبهم في الإسلام وتواليفهم ومباحثهم تكاد تسمو على أذهان كثيرين من علمائنا وأعلامنا، والمسلمين العاديين الذين إنما أضافتهم إلى صفوف الإسلام أحكام الوراثة، وأشربت قلوبهم حب الدين وإن كانت أذهانهم خلاء من فهم معانيه وأغراضه، ودرك الفلسفة الإلهية التي تنساق في كل شرائعه، ولعل القادم الجديد على الدين من وراء التفكير الطويل والدرس المتواصل والاقتناع المتين، خير من مئات من الذين يحملهم الدين ولا يحملونه، ويقومون في تعداد أهله، وهو يريد أن يتعداهم.

وما أظن إيماناً كإيمان رجل كبير الذهن، خفيف الروح، قوي النفوذ، مثل اللورد هدلي الذي اعتنق الإسلام منذ سنين، ولا يزال ينضح عنه بكل ما في وسعه إلا انتصاراً باهراً للإسلام في عصر كثر فيه أعداؤه، وتألب عليه المتألبون للثأر منه، لأن إسلام رجل كبير من أهل المسيحية أكبر دليل على أن هذا الدين يسع العالم كله، إذ كان يجري مع الفطرة الإنسانية ويسير مع الغريزة، وإنك إن جئت إليه لتمتحنه من ناحية الذهن، وأردت أن تخبره من وجهة المنطق والعق ل والفكر راعك وأذهلك وصدمك بجلال حججه وعظم آياته، وإن أنت التمست إليه السبيل من ناحية القلب، غشى قلبك منه سحر، وتغلغل في كل جانحة من جوانحك، وكذلك تراه بين الهمج والقوالب الخشنة من الإنسانية المظلمة في الكهوف ووراء المكامن والأعراش، وفوق ربوات الجبال، وتحت وقدة الشمس المحرقة،