[حضارة العرب في الأندلس]

الرسالة الأولى من الإسكندرية إلى المرية

وكان سيرنا في محاذاة الساحل بحيث نبصره رأي العين، وصرنا نسرح النظر في عمائر وقرى متصلة، وحصون ومعاقل في قلل الجبال مطلة، وقد أرسل إلينا الله ريحاً طيبة رخاء زجت السفينة تزجية طيبة، فكانت تلك الساعة من أطيب ما يظفر به السفر، في هذا البحر، وما زلنا في أنعم حال وأطيبها حتى استقام ميزان النهار وقام قائم الظهيرة وإذ ذاك أبصرنا عن يميننا تسع جزائر متجاورة آنسنا فيها دخاناً يصاعد من جبلين في جزيرتين من هذه الجزائر، فرأيت بعض المسافرين وقد ضربوا بأذقانهم الأرض، لما ألم بهم من الذعر، فقال أبو عبد الله الصقلي لا عليكم أيها الأخوان، ولا تكونن قلوبكم كقلوب الطير تنماث كما ينماث الملح في الماء، إن هذه البراكين مأمونة الناحية، وليست تزفر في النهار إلا هذا الدخان الذي ترون، أما البركان المخوف فهو ذلك الرابض في الجزيرة الكبرى (صقلية) وقد ابتعدنا عنه والحمد لله، وهنا سأله بعض القادمين من المشرق الإفاضة في صوف هذه البراكين وسر تلك الفظائع التي تتوارد أخبارها إلى المشرق، فأخذ أبو عبد الله يفيض في القول على طريقته الفلسفية، ولا بأس إذا نحن أثبتا هنا زبدة قوله إتماماً للفائدة.

البراكين في صقلية

والجزائر المجاورة لها

وما قاله فلاسفة الإسلام في ذلك

قال أبو عبد الله ما ملخصه: من المعلوم الذي لا خفاء به أن هذه الكرة الأرضية السابحة في الفضاء بجملتها وأجزائها ظاهرها وباطنها طبقات، ساف فوق ساف، مختلفة التركيب والخلقة، فمنها صخور وجبال صلبة، وأحجار وجلاميد صلدة، ورمال جريشة، وطين رخو، وتراب لين وسبارخ وشورج، بعضها مختلف ببعض، أو متجاورة كما قال الله جل شأنه {وفي الأرض قطع متجاورات} وهي مختلقة الألوان والطعوم والروائح فمن ترابها وأحجارها وأجبالها حمر وبيض وسود وخضر وزرق وصفر كما قال جل ثناؤه: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، وهي مع ذلك كثيرة التخلخل والثقب والتجاويف والعروق والجداول والأنهار داخلها وخارجها، كثيرة الأهوية والمغارات