[محاورة بين فقيه متدين وفيلسوف ملحد]

للفيلسوف الألماني الكبير آرثر شوبنهور

الفقيه: يسؤوني منك أيها الفيلسوف تهكمك على الدين وسخرك منه جهاراً، وكان خليقاً بك أن تذكر أن دين كل امرئ مقدس في نظره وكذلك يجب أن يكون في نظرك.

الفيلسوف: لا أراني ملزماً باحترام الأباطيل والأضاليل لمجرد أن غيري من الناس غبي أبله. ولا أنكر أني أحترم الحقيقة أينما كانت واحترامي للحقيقة هو الذي يدعوني إلى احتقار كل ما ينافيها.

الفقيه: يجب عليك أن ترى في الدين الدواء العام لأرواح البشر. وأن تذكر أن احتياجات الناس ينبغي أن تعالج حسب قوة مداركهم ومبلغ أفهامهم. وأن الدين هو الوسيلة الوحيدة لجعل العامة والطغام ذوي العقول الضعيفة والأذهان الكثيفة المنغمسة في الحقائر والسفاسف والماديات ومداق المكاسب ومساف الأرباح - أقول أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لجعل من هذا شأنهم يشعرون بشريف غرض الحياة وسامي مغزاها. وذلك أن الرجل العادي لا يفكر ولا يهتم إلا بما يقضي حاجاته البدنية وشهواته الحيوانية فيفسح له مجال للهو واللذة. فيظهر مؤسس الأديان والفلاسفة في الدنيا لينفضوا عن مثل هذا الرجل غبار البلادة والاسترخاء ويكشفوا له عن جلال معنى الوجود - فأما الفلاسفة فيؤدون هذه الرسالة للفئة المتنورة القليلة، وأما مؤسسوا الأديان فيؤدونها للأغلبية الغبية - للعامة والدهماء. فالديانة هي فلسفة العامة فلا بد لهم من الاحتفاظ بها. ولذا يجب احترامها لأن إنكارها يؤدي إلى زوالها. وكما أن هنالك شعراً عامياً وحكمة عامية (في الأمثال السائرة) فكذلك يلزم أن يكون ثمت فلسفة عامية. لأن العوام يحتاجون أيضاً إلى شرح لمعاني الوجود وتفسير لألغاز الحياة وهذا الشرح والتفسير ينبغي أن يكون ملائماً لأذهانهم، والأديان في جميع الأزمنة والأمكنة تقدم للناس هذا التفسير في صورة ثوب رمزي للحقيقة - وهذا الثوب الرمزي يؤدي من النفع والفائدة لبني الإنسان فيما يتعلق بحياتهم العملية ووجداناتهم أعني من حيث اعتباره دليلاً مرشداً في معاملاتنا ومعاشراتنا وعزاء وسلوة في الأحزان والمصائب وعند حلول الموت - هذا الثوب الرمزي للحقيقة يؤدي من النفع والفائدة من هاتين الوجهتين مثلما كانت تؤدي الحقيقة ذاتها لو أننا عرفنا فأحرزناها. فلا