مسار الصفحة الحالية:

[أثران خالدان]

خطابان من مازيني إلى مسز كالاريل

نقلهما إلى العربية الكاتب الفاضل على أفندي أدهم الموظف بجمرك مصر وأهداهما إلى البيان

يذهب فريق من المفكرين إلى أن ولوع بع النفوس بالكمال المطلق وشغفها بالمثل الأعلى هما كتعلقها بأمل لا يتحقق وكلفها بوهم لا يصدق ولكنهم لا ينكرون على ذلك الولوع بالكمال فائدته في تهذيب النفوس وإيقاظ الشعور ولا يجهلون أثره المحمود في حياة الفرد والجماعة، وهم يشبهونه بحجر الفيلسوف وأكسير الحياة اللذين كانا من أشد البواعث على تقدم علم الكيمياء وأنا نري أن نلحظ الموضوع من جانب آخر وهو أن كل بطل باسق الأفعال ضخم الآمال يعبر لنا ن نفسه عن حلم رائع أرسلته فيها الطبيعة وهو يستفرغ همته ويبذل غاية ما في وسعه في أن يلائم بين العالم الخارجي وبين ذلك الحلم المشتملة عليه نفسه وأن السعي وراء ذلك هو على شقاء العظماء ومصدر ما يلاقونه من الصعاب وإذا نظرنا إلى حياة رجل من فحولة الرجال مثل مازيني في ظلال تلك الفكرة تبدت لنا أسباب الأخطار التي صادفته في حياته فلقد عاش الرجل أكثر حياته طريداً كالمثل الشرود ولما نبت به بلاده وأخذت تلفظه الأقطار إلى أن ألقى عصا المسافر في لندن التقى هناك بعائلة كارليل ونشأت له صداقة متينة معها وكان يخص المسز كارليل بالجانب الأوفر من تلك الصداقة ويجمل الظن بالحياة أن يقف الإنسان على حقيقة تلك الصداقة وذلك الود النقي المتبادل إذ يعلم أن الصداقة الشريفة والصفاء المحض ليسا وهماً من أوهام العقول المسترسلة وراء الأحلام الهائمة في أدوية الخيال، وقد كانت مسز كارليل شاعرة أدبية من النساء العبقريات الساميات اللب الكبيرات الروح وقد كان في مزاجها نزوع إلى الحزن ولم يكن أسلوب الحياة المنعزلة التي كانت تعيشها مع زوجها ما يسلسل أنوار السرور في ليل الحياة المكتئبة وكانت معاشرة زوجها من أشق الأمور وأصعبها احتمالاً لوعورة أخلاقه وتسخطه الدائم وملله المستمر، وقد كتب إليها مازيني خطابات عدة جديرة أن تلهم النفوس الحائرة الصبر والقوة بما يتفجر في خلالها من ينابيع التفاؤل العذبة ومن بين هذه الخطابات الخطابان الآتيان.