[اعترافات الفرددي موسيه]

الفصل الخامس

في اليوم التالي ذهبت إلى غابة بولونيا قبل الغذاء. وكان الجو مغيماً. فلما بلغت بوابة مايوت أرخيت عنان جوادي ملقياً حبله على غارية يذهب أين يشاء وأرخيت كذلك عنان فكري أستعيد في ذاكرتي ما قاله لي ديزينيه.

فبين أنا كذلك إذ سمعت صوتاً ينادي باسمي فالتفت ورائي فابصرت في عربة مكشوفة إحدى صويحبات حبيبتي. فاستوقفتني وأومأت إلي بيدها إيماءة الصديق الودود ودعتني للتوجه معها في عربتها لمنازعتها الغداء إذا شئت.

وكانت هذه المرأة (واسمها مدام ليفازير) صغيرة الجرم بضة مكتزة شقراء وكان بي أبداً نفرة عنها وتبرم بها لا أدري لماذا لم يكن بيني وبينها ما يدعو إلى ذاك، وكانت علاقتي بها ما برحت ودية. ولكنها حينما دعتني لم أجد بداً من قبول دعوتها، لعلمي أن حديثي معها سيدور على حبيبتي. لذلك ضغطت على يدها أثناء المصافحة وشكرت لها حسن صنيعها بي.

فناطت حراسة جوادي إلى واحد من خدمها وأجلستني بالعربة إلى جانبها وانطلت بنا العربة عائدة إلى باريز. وهنا أصابتنا السماء برذاذ فأغلقنا العربة وسددنا نوافذها ولبثنا صامتين برهة فنظرت إليها نظر الحزين الكمد وكنت أرى فيها صديقة حبيبتي الغادرة وحميمتها وكاتمة أسرارها. وقد كانت في أيام تصافينا وتآلفنا في عهد الوصال الطيب الحلو تجلس معنا في خلوتنا فاستثقل حضرتها وأتمنى انصرافها وأعد عليها مقامها بيننا في الدقيقة والثانية! ولعل هذا كان سبب تبرمي بها واستيائي منها. وكنت أعلم أنها كانت تشفع لي عند حبيبتي وتدافع عني وتصون غيبتي فكنت خليقاً أن أغفر لها دخولها بيننا لحسن نتيتها وإرادتها الخير لي.

ولكني كنت أجدها بالرغم من محاسن صنائعها عندي قبيحة مملولة وبغيضة ممجوجة. كذلك كان رأيي فيها أيام الوصال الهنية. أما الآن فقد بدت لي مليحة حسناء فو أسفاً!

فجعلت أتأمل يديها وثيابها. وجعلت كل حركة وإشارة منها تخلص إلي أعماق قلبي وما ذاك إلا لأن عهد الماضي كان في هذه الأعماق حياً جديداً يعيش ويجيش كما كان أبان