فصول الكتاب

[اعترافات دى موسيه]

الفصل السادس

وبينا أنا مغمور في لجة هذا الحزن الفياض واليأس العميق دفعتني حدة الشباب على مساعفة من الفرص المؤاتية إلي إتيان عمل كان فيه الحكم الفاصل في مستقبل أمري وحالتي لقد كنت كتبت قبل ذلك إلى حبيبتي أني لا أشتهي البتة أن أرى وجهها، وقد أمضيت هذا العزم ولكني بقيت مع ذلك أقضى الليالي العديدة تحت نافذتها على عتبة دارها. وكنت أرقب شعاع المصباح نم وراء زجاج النوافذ وأنصت إلي النغمات لمنبعثة من معزفها. وكنت أحياناً ألمح شخصيتها نم خلل السجوف والستائر.

فبينا أنا ذات ليلة جالس هذه الجلسة قد جهدني الحزن وبلغ مني الأسى بصرت بعامل يسعى وهو أثناء سعيه يتغنى بألحان متقطعة تشوبها صيحات نم الطرب. وكأنه كان قد أفرط في السكر فكان يتمايل في مشيته ويتخبط لا تكاد تحمله رجلاه. ثم أن هذا الرجل قعد على دكة إزائي فلبث برهة جاعلاً يديه تحت ذقنه ثم أخذه السكرى فغط غطيطاً.

وكان الشارع خلواً من الأنيس وقد وهبت ريح جافة أثارت التراب وأسفر القمر يترقرق غديره في روض سماء تطفو على نهر مجرتها أزاهير نجومها. فنظرت إلى وجه ذلك النائم تستضيء ملامحه في سنا القمر الباهر. وكان لم يشعر بوجودي. وقد خيل إلى أنه كان فوق ذلك الحجر أهأ هجعة. وأوطأ ضجعة. مما لو كان على فراشه بمنزله.

لقد أذهلني منظر ذلك الرجل عما كنت فيه من الحزن والكمد على الرغم مني. فنهضت لمغادرة هذا المكان ولكني ما لبثت أن عاودت مجلسي. والواقع أنه لم يكن في طاقتي الانصراف عن ذلك الباب وإن ظلت نفسي تأبى أن أطرقه ولو أن لي الدنيا بحذافيرها. وأخيراً قمت فتمشيت قليلاً ثم عرجت نحو ذلك النائم فوفقت أمامه.

وقلت في نفسي (ما أعمق نومه؟ ما أشك والله في أن مثل هذه الرقدة العميقة خيالية من الرؤى والأحلام. هذه ثيابه بالية. وعظامه بادية. ويداه مقرورتان. وذراعاه معروفتان. ووجته ذابلة. وجثته ناحلة. لا غرو أنه أحد أولئك البائسين الذين لا يملكون قوت يومهم. ينامون على غصص الكروب الفادحة. ويستيقظون على مضض الخطوب القادحة. وأكبر ظني أنه أصاب الليلة دربهمات فاشترى بها من بعض الحانات جرعة نم جرع النسيان