[ما وراء الساحل المجهول]

الدليل القاطع

هذا هو المقال الثاني للسركونان دويل الذي يعد اليوم في طليعة بلاد الغرب الذين يعنون بمسألة الحياة بعد الموت وهي المسألة التي أصبحت شغلاً شاغلاً للعلماء.

قد عثرنا في آخر مؤلف من مؤلفات الاستاذ هيستون - أستاذ المنطق في جامعة كاليفورنيا سابقاً وأمام الحجة الثقة في علم الفلسفة النفسية في القارة الأمريكية الذي عليه المعتمد وإليه المرجع في كل ما ينجم من المسائل السيكولوجية من معضلاتها وملغزاتها - أعني تصنيفه المعنون الحياة يعد الموت على جملة لا يكاد يحتملها السامع أو تسيغها ألذن وهي: كل من لا يسلم بوجود الأرواح المجردة من الأجسام ويصدق بالبرهان على ذلك فهو إما جاهل أو مصاب بآفة الجبن الأدبي. هذا قول حق ولكن ما يتضمنه من همز ولمز قد يفل من حده ويخفف من وخزه ما يقوم للمنبوذ به من العذر الواضح في جهله بهذه الأسرار إذ أن الدليل القاطع على صحة هذه المسائل الروحانية لا يزال بعد جديداً حديث العهد وهو مطوي في تضاعيف مصنفات لم تنقل إلى الانكليزية فضلاً عن غلاء أثمانها وصعوبة الحصول عليها. ولا أنكر أن بين أيدينا ذلك المؤلف الفذ البديع تصنيف العلامة كروفورد وكتاب مباحث كروكر ولكن كليهما كان في حاجة إلى احراز المصادقة والتأييد والشرح ولتفسير من مباحث علماء القارة الأوربية لكي تظهر أسرار معانيه في أجلى مظهر. وبين يدي الآن كل هذه التصانيف وسأحاول في هذه المقالة أن أثبت لكل من لا يكابر في الحقيقة الساطعة أن هذه الاكتشافات الحديثة قد أصبحت اليوم لا موضع فيها للجدال والمشاحنة ولكن قد فصل فيها وتبين صدقها إلى نقطة معينة محدودة يصح أن تجعل أساساً متيناً لأبحاث المستقبل ولا نزاع في أن جميع المستكشفات الحديثة سواء أكانت من مبتدعات الطيران أو التلغراف اللاسلكي أو غيرهما من المبتكرات_كلها جدير أن بتضاءل قدره وتضمحل قيمته إزاء ذلك الاختراع الذي قد أبرز إلى عالم الحس نوعاً جديداً من المادوة محلى بخواص لم يسمع به قط ولم تخطر على بال ثم هو (أي هذا النوع الجديد من المادة) لعله كامن مخبوء في كيان كل واحد منا. وإنه لمن أدهش الغرائب وأعجب المناقضات أن الباحثين وراء الروح قد استكشفوا في سبيل أبحاثهم الروحانية من أسرار المادة ومن غرائب خواصها