مسار الصفحة الحالية:

[باب الأدب]

الفكاهة في شعر العرب

ً // للكاتب العبقري عبد الرحمن شكري

الفكاهة نوعان فكاهة خيالية وفكاهة لفظية والفكاهة الخيالية هي نوع من الخيال ومجالها حيث يتضاءل الجد فيه فهي الخيال في حال تبسطه ومن أجل ذلك كانت الفكاهة لا تستعمل في مكان الجد ولكن صعباً على من لم يتعود النقد أن يعرف الحد الفاصل بين مكان الجد ومكان الفكاهة فمن الناس من يعد في الجد ما يعده آخر في باب الفكاهة ومن الناس من يعد في الفكاهة ما يعده غيره في باب الجد ورجحان رأيه بقدر نصيبه من صحة الذوق وسنبين ذلك في هذا المقال فمن أمثال الفكاهة الخيالية قول ابن الرومي في رجل أصلع:

يأخذ أعلا الوجه من رأسه ... أخذ نهار الصيف من ليله

وليس كل خيال يجري بالفكاهة لأن الخيال إذا لم يكن وثاباً امتنعت عليه سبلها لأنها تخرج من التأليف بين الحقائق المتباعدة والصور المتنائية وتباعد الصور ليس دليلاً على تباعد الصلة التي بينها فإن ابن الرومي في بيته السابق قد ألف بين صورتين متباعدتين وهما أن صلع الرجل جعل وجهه مغيراً على رأسه آخذاً منه وإن تزايد نهار الصيف يُجنَي من تناقص ليله ووجه الشبه الذي بين الصورتين قريب متين وأني لأحسب أن تطير ابن الرومي بينه وبين فكاهته الخيالية سبب لأن التطير يبعثه سوء الظن وسوء الظن يدعو المرء إلى اتهام الناس بمعاداة صاحبه وذلك يبعث على تطلب السبيل الدمث لهجائهم وانتقاصهم وأوجع الهجاء ما جعل المهجو ضحكة في أفواه الناس فأكبر ظني أن سوء رأي ابن الرومي في الناس هو الذي استقدح الفكاهة في خياله وهذا بيرون كان مر النفس فاتخذ من مرارة نفسه رائداً إلى الفكاهة اللاذعة انظر كيف يصف وزيراً من وزراء الانجليز حيث يقول فلان ذو الذهن الخصيّ فإن تشبيهه الغباوة بالخصى من الفكاهة الخيالية وهذا المتنبي قد سما بنفسه بين الثريا والسماك ومن كان يربأ بنفسه أن يُعدَّ في الناس عرف من أين تؤتى الفكاهة اللاذعة انظر إلى قوله في رجل أعور:

فيا ابن كَرَوَّسٍ يا نصف أعمى ... وأن تفخر فيا نصف البصير

ومرارة النفس تزيد الفكاهة قوة ورسوخاً في النفس غير أنها تلبسها زياً أسود يلائم زيها