[الحكومة كهادمة للأخلاق]

من مبحث للكاتب الألماني الدكتور ماكس نوردوا

لخصه للبيان الكاتب علي أدهم

مئات المرات جعلت الضجة التي يقيمها الألمان حول الألقاب والرتب مقصدا للهزأ والزراية. وإن ما صب عليا من السخرية في منثور القول ومنظومه ليملأ مكتبة بحذافيرها. والأمر مع ذلك لم يفرغ منه ولم تجف عيون البحث فيه بل أنه من بعض الوجوه لم يلمس ولم يتعرض له. من ذلك أنه لم يعلق مقدار كاف من الخطورة على ذلك الخطر الداهم الذي يتربص للترقي من جراء التغالي في قيمة الرتب والمناصب والنظر إليها كأمثلة عليا هي مرقى همة الفرد ومسمى آماله في حياته العامة والخاصة.

اذهب إلى أي مجتمع في ألمانية وأدر الطرف فيما حولك تبصر مفتشين ومساعديهم ووكلاء ومستشارين من كل الطبقات والأوساط من الموظف الصغير المتواضع لله لا يزهوولا يتكبر. إلى الرئيس الكبير الموفور الجلال والهيبة. وعبثا تحاول أن تعثر بين هؤلاء برجل بريء من التصنع يرضى أن يقنع باسمه حتى إذا ذهبت حاملا مصباح دياجونيز على آخر طرز من المصابيح الكهربائية.

فإذا قدم إليك رجل وذكر لك أن هذا مستشار كذا فإنك قمين أن تعرف من ذلك كل ما تريد معرفته عنه. ولست في حاجة إلى كد الذهن لتعرف شخصيته وإنك في غنى عن توسم وجهه وملاحظة اسمه لأن هذه كلها أشياء ثانوية تافهة وإنما مركز الأهمية هووظيفة الاستشارية فهذه هي التي تملي عليك التعريف التام للشخص ويمكنك أن تقف من لقبه على نفسيته وما تعلمه وما يحبه وما يجتويه وكيف وأين يقضي أيامه ولياليه وكيف يفكر في مختلف الموضوعات من مسألة التجارة الحرة إلى مسألة خلود النفس. وفي أحوال كثيرة يمكنك أن تعرف المرتب الذي يتقاضاه وإنه ليستولي عليك شعور فخم جليل من الثقة والتثبت في حضرة شخص ملقب كهذا إذ لا يوجد أستار تحجب عنك سره ولا غيمة من الشكوك تظل رأيك فيه فحقيقته سافرة للنظر لا تترك لك براحا للبحث والتظني.

وإني لأعجب بعد ذلك من أنه لماذا يترك لهؤلاء السادة حملت الألقاب أسماء إن الاسم في تلك الحالة لا يزال يشعر النفس بشخصية رواءه بينما إن أكبر انتصار فاز به هؤلاء السادة