فصول الكتاب

[الرأي العامي في العربية الفصحى]

هذا مذهب من الكلام في اللغة كثيراً ما يشتبه فيه اليقين حتى لا يُنفذ إلى تمحيصه، ويلتوي الظن حتى لا يطاق على تخليصه، وأنت فكيف مددت عينك في هذا الجيل فلست آمناً أن تقع من نشئه الذين يطمحون إلى مشيخة الكتب. . . على كل ضيق المجم، ضئيل الهم، ألفّ اللسان، ملتف البيان، وهو مع ذلك يُسمّع بالفصاحة والفصحاء، ويستطيل في البلاغة والبلغاء، ويبسط في هذا الرهان. من جلده علي هزاله، ويفسح في هذا الميدان. من خطوه علي كلاله، ومهما أخطأك فيما يَعمى عليك من حقيقة أمره، ويكاتم مهب ريحك من دخانه وجمره، فلا يخطئك أن تستبين منه رأياً كأنه في رأسه نزوة ألم، وعقلاً مدنفاً لو هو مات لما قطرت له دمعة من قلم.

ومن آفة الجهل أنه على استواء واحد في نظر أهله على ما يتحرون بزعمهم من النصفة والمعدلة فلو تدسس أحدهم إلي كل مكروه وأصعد في كل بلاء لكان بعض ذلك كبعضه سواء في بادي الرأي وعند تقليب النظر لا بدرك فرق ما بين درجاته، ولا فصل ما بين صفاته، حتى إذا ضرب كل سبب في غايته، واتصل كل مبدئ بنهايته، ووقعت الواقعة بركن أمة كان قائماً وتعثرت المصيبة بشعب كان متقدماً، عرف ذلك الجاهل من مقدار الرزيئة مقدار جهله وعلم حينئذ أنه كان يملك من الكف عن هذا البلاء مثل الذي ملك من التسبب له وأسَفَّ من ذلك ولكن بعد أن يكون السهم قد مرق والأمر قد مضى وبعد أن لا يكون قد أفاد من الجناية إلا معرفته كيف جناها فكأن المصيبة على هولها إنما حلت لتفهمه أنه جاهل وما أعزها كلمة لا تفهم إلا من مصيبة.

وليس ينفك الجاهل بالشيء إذا رأى فيه رأياً من خصال: فأما واحدة فاقتضابه الرأي لا يغبه للخبرة ولا يبلوه بالتثبيت ولا يكاد يرى فيه مذهباً لتقليب النظر فما هو إلا أن ينزو في رأسه نزوة أو نزوتين حتى يكون قد وزنه ورازه وعرف مقداره صواباً من خطأ وخطأ من صواب فيصدره على أنه مما أنبطه الزمن من قليب قلبه وافتكَّهُ من عقال عقله وعلى أنه الحق لا مراء فيه وعسى أن لا نجد في باب المراء مثلاً أدل منه على الرأي القائل كيف يهلك أو يفيل.

وأما الثانية فتزين ذلك الرأي له على فسولته وضؤلته حتى يدفع عنه كل الدفع ويحوطه بكل حجة ملجلجة وحتى يرى أن الكد في ذلك هو يثبته وأن الثبات على الكد هو يحققه فلا