[حضارة العرب في الأندلس]

ولما نزلت على ريو أخذت سمتي إلى مسجدها الجامع لأصلي فيه صلاة الصبح وأثلج صدري ببرد التقى وشعائر الإسلام، وأجلو بعضاً من وعثاء السفر الزؤام، وما زلت حتى أخذت عيني بناء شاهقاً تعتم مأذنته بالعماء، كأنما تنث حديثاً إلى ملائكة الله في السماء، أو كأنها تعلن برفعتها رفعة الإسلام. وعزة أهله على عبد الطاغوت والأصنام، وكذلك رأيت كل من مر بهذا المسجد من الروم أغضى من مهابته ذلة وصغاراً، وإجلالاً لدين الله وإكباراً، مما ألقاه في قلوبهم من الرعب واختشاء المسلمين أبو الغنائم الحسن بن علي رحمه الله.

ولما توسطت باحة المسجد رأيت صفوف المصلين من الرجال وإمامهم في المحراب، كسطور أمامها عنوان الكتاب، وخلف الرجال حاجز من خشب يليه صفوف المصليات من النسوان، كما تكون هوامش الصفحة يفصلها من سائرها أحمر من المداد قان، فانضممت إلى صفوف المصلين وصليت معهم صلاة الصبح ولما إن سلم الإمام وكان قائداً من قواد العرب في هذه البلاد - وكذلك كان أئمة المسلمين في الحروب والسياسات، أئمة لهم في التقى والصلوات، قام واتكأ على سيفه وقال:

أيها العرب أنتم الآن بين ظهر أني عدو يلندد يتجرع منكم الغصص ويتحين بكم الفرص، ويود لو يبدلنكم الله ضعفاً من قوة، وضنا بنفوسكم من فتوة، وهزيمة من ظفر، واستحالة لصفوكم إلى كدر، فيثب بكم وثبة الغضنفر نال منه الجوع والسُّعار، ويسعل بكم كما يسعل هذا البركان فيرمي بحممه والشرار، فإذا فترت منكم الهمم، ووهت العزائم وأغمدتم السيوف في الأجفان، وقعدتم عن نصر الله في كل آونة وكل مكان، وسكنتم إلى الترف والنعيم، وجرتم معاذ الله عن النهج القويم، ودب إليكم ما قد دب إلى هذه الأمم الحمراء، من الحسد والبغضاء، فإنكم صائرون لا محالة إلى ما قد صاروا إليه وإذ ذاك يصيركم الله بعد نصركم فلاّ ويديل من عزمكم ذلا ومن كثركم قلاً، وتئيضون بعد على هذا العالم كلا.

وبعد إن فرغ من كلامه خرج وخرج معه رجاله وعلوا متون الجياد وذهبوا إلى حيث يعلون كلمة الدين، ويذيعون التقى والحق واليقين وينسفون دعائم الشرك والإلحاد. ويفكون أغلال الظلم من رقاب العباد.

مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلون أهل الجور ألواناً