مسار الصفحة الحالية:

[مذكرات إبليس]

بقلم الأستاذ عباس محمود العقاد

إغواء فتاة

قال إبليس: كنت أتمشى في بعض أحياء القاهرة وقد نهكني الفكر وأمضني أعمال الرأى. وكنت مشتغل البال بوضع مكيدة جهنمية أوقع بها سلسة الأمم في طامة مشكلة وحرب زبون. فبينما أنا أسير في طريق عامرة بالقصور آهلة بأصحاب الثراء والجاه القديم حانت مني التفاتة إلى نافذة في دار قوراء فلمحت فتاة عذراء مفرغة في قالب بديع الحسن ينسجم على جسدها الغض غلالة بيضاء كأنها نسجت من رغوة الماء أو خيوط الضياء، تشف من بدنها عن بشرة صافية بضة، ونهدين قاعدين كأنما ينفذان من خلال ذلك الشف الرقيق. وقد اتكأت على النافذة تنظر إلى الطريق وتتنسم الهواء.

وما كنت أجهل مريم ولا أنا غافل عنها. ولكنها كانت طفلة تمرح في حراسة ملائكة الطفولة، فلا أجرأ على الدنو منها، وكانت زهرة في كمام الفضيلة فلا تمتد يدي إلى اقتطافها - وللطفولة حرم تحوم حوله الشياطين ولا تتخطاه.

فأما اليوم فإنها كاعب ينبض قلبها بدم الشهوة، وتجري في عروقها حرارة الهوى، وقد تفرقت عنها ملائكة الطفولة فلا شيء يعصمها مني، وتفتحت زهرتها فامتزج عرفها الطاهر بهواء الدنيا، وسوف يكون لي معها شأن كالذي كان لي مع غيرها من بنات حواء. ثم لا أترك فيها إلا كما يبقى في الزهرة الذابلة من شذي أحرقه في مباخر الجحيم.

ورأيت أن أعرج عليها في طريقي بها وأرفه عن نفسي ساعة بهذه الفكاهة اللطيفة، فأريح ذهني من جد الخبائث الكبيرة، والشرور المستطيرة وإن كان أغواء مثلها لا يحتاج إلى أكثر من دعابة شيطان صغير، من تلاميذي المبتدئين في صنعة الفساد.

وكانت مريم بنت رجل من ذوي المكانة والثراء، ظللت أضارب بعقله في المضاربات حتى خسر عقله وماله. ولم يبق له من الضياع والنشب إلا هذا القصر الذي يقيم فيه، فحجروا عليه وأقاموا له قيماً يتولى تأجير جانب من ذلك القصر وينفق من أجرته في مؤنة العائلة وتربية الصغار، فعكف الرجل على بيته لا يريم عنه، وقد هجره أصدقاؤه وتسلل حشمه من خدمته واحداً بعد واحد إلا خصياً منحوساً حفظ عهد سيده كما يقول، ولو علم