<<  <  ج: ص:  >  >>

[مجالسة الصالحين]

رابعاً: مجالسة الصالحين من أهل الخير: فإنهم يذكِّرون الإنسان إذا غفل، ويعينونه على ذكر الله، ويدعونه إلى الخير، ويحذرونه من الشر.

والصالحون هم الذين أصلحوا أعمالهم وأقوالهم واستقامت أحوالهم، ومن تمام ذلك اجتناب أهل المعاصي والبعد عنهم، فإن هذا من تمام مجالسة الصالحين، فإن من جالس الصالحين اجتنب الطالحين، ومن جالس أهل الخير هجر أهل الشر وابتعد عنهم، أما الذي لا يجالس الصالحين فكثيراً ما يجتذبه أهل الفساد ويدعونه إلى ما يفعلونه، فيزينون له ما هم فيه فلا يأمن أن يقع فيما وقعوا فيه.

ومعلومٌ أن الأشرار -ولو اعترفوا أنهم على شر- يتمنون أن يكون الناس مثلهم، حتى لا ينفردوا بالشر وحدهم، فصاحب الدخان لا يعترف بأنه على باطل، بل يزين لكل من رآه ولكل من جالسه أنه على حق، وأن هذا الدخان لا مانع منه ولا بأس به، حتى يوقع فيه غيره من صغيرٍ وكبيرٍ إلى أن ينشبوا فيه، ويصعب عليهم التخلص، فيكون أيضاً من دعاة هذا الأمر، ويعيب من زهد في ذلك بأنه بخيل، وبأنه متزمت، وبأنه متشدد أو غال أو نحو ذلك.

وهكذا يعيب هؤلاء المفسدون والأشرار أهل الدين ويعيبون أهل الصلاة وأهل ترك المحرمات بهذه العيوب التي يلصقونها بهم، ويريدون أن يزهدوا في أفعالهم حتى يكونوا مثلهم، وهذه سنةُ الله تعالى أن كل عاصٍ يدعو إلى معصيته، ولو اعترف بأنه على باطل، ولكن لابد إذا كان متمكناً في هذه المعصية أن يزين حالته، ويعتذر عما هو عليه، ويبين للناس أنه ليس على باطل حتى يفعلوا مثلما فعل، فلا يسلم الإنسان إلا إذا اجتنبهم وابتعد عنهم، لكن إن كان معه قدرةٌ على مقاومتهم وإقناعهم والرد عليهم، وإبطال شبهاتهم، فإنه يفعل ذلك، ويجالسهم حتى يرد عليهم، فإذا رأى أنهم تمادوا واستمروا في غيهم، ولم تؤثر فيهم كلماته فالنجاة النجاة، والبعد عنهم أولى.

أيها الإخوة: هذه توجيهات في السلامة من هذه المحرمات، ولا شك أن الإنسان الذي معه فكرٌ وعقل يعلم أيضاً -إن شاء الله- الطريق إلى السلامة من بقية المحرمات باجتنابها والحذر من مقارفتها.

نسأل الله أن يحمي المسلمين من المعاصي ما ظهر منها وما بطن، وأن يبصرهم بعيوب أنفسهم حتى يتجنبوها، وأن يحمي مجتمعات المسلمين من العصاة والمفسدين، ونسأله أن يعز الإسلام والمسلمين، ويمكن لهم في الدين، ونسأله أن يصلح أئمة المسلمين، وولاة أمورهم، وأن يجعلهم هداةً مهتدين؛ يقولون بالحق وبه يعدلون، ونسأله أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويصلح أحوال المسلمين، والله أعلم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه.

<<  <  ج: ص:  >  >>