<<  <  ج: ص:  >  >>

[المعاصي والذنوب سبب للعقوبات]

قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف:58]، والكسب هنا المراد به: الكسب السيئ.

يعني: المحرمات والسيئات.

أي: أنه تعالى لولا إمهاله لكان العباد على ما يعملونه مستحقين العذاب، إلا إذا استقاموا ولزموا الطريقة المستقيمة التي إذا لزموها أعانهم الله وأغاثهم.

ولذلك قال تعالى: {وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} [الجن:16]، الطريقة: هي الإسلام.

أي: إذا استقمنا على الإسلام، وتمسكنا به، وعملنا بشرائعه، وتركنا المحرمات؛ فإن الله تعالى يسقينا ماءً غدقاً، يسقي أرضنا ويسقي بلادنا ويسقي حروثنا وأشجارنا، وأما إذا لم نفعل فإنه يعاقب من يشاء بأنواع العقوبات حسبما يستحقونه، ومع ذلك فإنه يعفو عن كثيرٍ من المخالفات، وإلا فإن العبادَ على معاصيهم وذنوبهم يستحقون أكثر مما نزل بهم: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى:30]، والكسب هنا: السيئات.

أي: ما نزل بنا من مصيبة فإنه عقوبة على السيئات التي كسبتها أيدينا والتي عملناها، (فما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة)، هكذا ورد في بعض الأحاديث.

والإنسان لا يغتر بما هو فيه لا نغتر بالأمن، ولا نغتر بزهرة الحياة الدنيا ولا نغتر بزخرفها، ولا نغتر بكثرة الأموال والأولاد، ولا نغتر بالصحة في الأبدان، ولا نغتر بما أعطانا الله وما خولنا، فإن هذا ليس دليلاً على رضا الله إذا كنا عملنا ما يسخطه، ولكن هو من الإمهال الذي لم يأتِ أجله، ولذلك يقول الله تعالى: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف:58] يعني: أن هذا الإمهال إذا لم يستقم الإنسان ولم يرجع إلى الله تعالى، فإن له أجلاً ينتهي إليه، ودليل ذلك الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102])، و (الظالم) هنا: العاصي الذي اقترف معصية، وفعل ذنباً أيما ذنب.

(يملي له): يعني: يؤخره ويمهله ويعطيه على ما هو عليه، ومع ذلك فإنه ينتظر إذا كان ذا عقل أن تتغير حاله.

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (إذا رأيت الله يعطي الظالم وهو مقيم على ظلمه، فاعلم أنه استدراج).

يعطيه: أي يوسع عليه.

إذا رأيت الله تعالى يوسع على إنسان وهو ظالم، ومع ذلك تزداد رتبته وتزداد منزلته ويزداد ماله وتزداد توسعته، وهو يزداد في طغيانه ومعصيته، فلا تظن أن ذلك لكرامته على الله، ولكن ذلك من باب الاستدراج، اقرأ قول الله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف:182 - 183].

أملي لهم.

أي: أؤخرهم إلى أن يحين الأجل الذي تنزل بهم العقوبة فيه، لذلك وقع في بعض الأحاديث: (ما أخذ الله قوماً إلا عند غرتهم، وغفلتهم وسلوتهم)، والأخذ هنا العقوبة، أي: لا يعاقبهم ويأخذهم أخذ عزيزٍ مقتدر إلا بعد أن يركنوا إلى الدنيا ويطمئنوا إليها، ويظنوا أنهم ممتعون فيها؛ كما أخبر الله تعالى عن الذين مضوا، كما في قوله تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام:43 - 44].

(أخذناهم بغتةً) أي: على حين غرة وغفلةٍ، أخذهم الله تعالى أخذ عزيزٍ مقتدر، أو أخذهم بالتدريج وعاقبهم عقوبةً بطيئةً لم يتفطنوا لها حتى بغتهم أمر الله، وهذا ونحوه يدل على أن السيئات والمحرمات سببٌ للذنوب، وأنها من أكبر الذنوب، وأنه بسببها تنزل العقوبة العاجلةُ أو الآجلة، وإذا أمهل العاصي ومات وهو على طغيانه وعلى كفره وعناده وظلمه وعدوانه؛ فلا يأمن أن يعاقب في الآخرة، فإن عذاب الآخرة أشد وأبقى.

كثير ما يذكر الله العذاب الأخروي الذي هو عذاب النار وبئس القرار: {ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر:16].

إذاً: نحن نخاف من عذاب الدنيا أن يعاجلنا الله به كما عاجل الأمم السابقة الذين عتوا وبغوا وطغوا وتعدوا، أو نخاف من عذاب الآخرة إذا متنا ونحن على هذه المعاصي والمحرمات، وانتهاك الحرمات.

نخاف أن يعاقبنا الله عقوبة أخروية التي هي أشد من عقوبة الدنيا.

هذا ما أحببت أن أقوله في آثار الذنوب، وللذنوب آثار وسيئات عظيمة لا أريد أن أتطرق إليها، وقصصها موجودة في القرآن كما قص الله علينا عقوبة الذين كذبوا، وكيف أخذهم لما أن كذبوا ومكروا، وردوا رسالته وكذبوا رسله، فأنزل بهم أنواع العقوبات التي ذكرها الله تعالى في القرآن.

<<  <  ج: ص:  >  >>