للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[حكم الصدقة على قاطع الصلاة]

السؤال

هل إذا غلب على ظن مخرج الصدقة أو الزكاة أن الفقير أو المسكين الذي يريد أن يعطيه الزكاة لا يصلي، فهل يجوز أن يدفع إليه الصدقة أو الزكاة؟

الجواب

هنا يعمل بغلبة الظن، ومعروف أن الأحكام الشرعية يكفي فيها الظن الراجح، فإذا غلب على ظنك أن هذا الرجل إن أعطيته من زكاة مالك أو من صدقتك مالاً -وهذا يستلزم بطبيعة الحال أن تكون على دراية به، كأن يكون من أهل البلد- أنه لا يرجع ولا يرعوي؛ فلا تعطه، إنما إذا غلب على ظنك أن هذا الرجل أسير الإحسان، وأنه يطيع، فهذا من الأفضل بلا شك أن تعطيه الصدقة.

وقد جربنا -وهذه التجربة عشتها بنفسي- أنك عندما تحسن إلى الفقراء والمساكين، فإنك تستحوذ على قلوبهم، وهذا أفضل من مائة محاضرة، فالجائع لا يستفيد من الكلام لأنه يريد أن يأكل، ويفكر كيف يحصل على العشاء لأولاده، وعلى الغداء، وكيف يحصل على الكسوة لأولاده؟ فالإحسان تستطيع أن تدخل به العشرات في حظيرة الإيمان، ولو كان الكلام الكثير يهدي الناس، ما ظننا أن يكون على الأرض عاص، لأن المتكلمين كثيرون جداً جداً، والكلام كثير جداً جداً، لكن الفعل قليل، هذه مشكلة كبيرة، يعني مثلاً: الذين يذهبون إلى الحج كل عام، تكفيهم حجة واحدة وهي حجة الإسلام، وإن كان المال زائداً فزوج به شاباً، أو ابن به بيتاً لأحد الفقراء الذين تسقط بيوتهم، فقد جاء رجل يشتكي ويبكي أنه بعد ما سقط بيته وعد بشقة -طبعاً هذا كله خيال- وهو الآن يسكن في عشة من الصفيح مع ثلاث بنات أكبرهن تخطت العشرين من عمرها، وأصغرهن تخطت الخامسة عشرة، ينامون فيها جميعاً، والحمام مشترك مع عشرين عشة، منْ مِنَ الناس يرضى أن تقف ابنته على باب الحمام وهناك رجل أجنبي خارج من الحمام؟! يأتي هذا الرجل يبكي ويقول: هجم علينا بعض الشباب الوضيع ليلة أمس، وساوموني على أخذ ابنتي وإلا هدموا علي هذه العشة من الصفيح، أريد أن أحافظ على عرضي، ماذا أفعل؟ يأتي يشكي لعاجز عجزه، فيلتقي العاجزان يبكيان، ليس هناك حل.

إذا كنت تبغي -أيها الرجل- الثواب لا مجرد أن تذهب إلى الأرض المقدسة تحج وترجع، تريد الثواب فانظر إلى هذه الأسرة المشردة وأعطها المال، أو أعن شاباً على الزواج.

فلو أن هناك رجلاً مريضاً، وكان هو رب الأسرة الذي ينفق عليها، وأصيب -نسأل الله عز وجل لنا ولكم العافية- بفشل كلوي، فمن الذي سينفق على زوجته وأولاده بعد أن أصيب بهذا المرض؟ وبعض الناس يذهب إلى المصيف شهراً، ينفق فيه عدة ألوف وجاره جائع بجانبه لا يعطيه شيئاً، لقد عجز المسلمون أن يأخذوا حكمة الصلوات الخمس، أنت الآن تصلي بجانب أخيك خمس مرات في اليوم، فتظل عدة سنوات لا تعرف اسمه ولا بيته، وإذا غاب لا تسأل عنه.

بعض الناس عندنا صلى في المسجد نحو سبع سنوات، ثم انقطع فترة طويلة، فسأل الناس عنه فقيل: مات منذ ثلاث سنوات.

قالوا: سبحان الله! كنا نظنه مسافراً.

اعتاد أن يغيب أخوه ولا يسأل عنه، فإذا أطال في الغياب قال: لعله مسافر.

لا تعامل صاحب المعصية بجفاء، بل تودد إليه وتحنن؛ لأن الإنسان يكون أسير الإحسان، فقد جربنا أن نعطي بعض الأموال البسيطة لهؤلاء الفقراء، فنادينا على المنابر: من كان عنده قميص، أو جلباب، أو أي ثياب يستغني عنها لصغرها عليه، أو لأنها قديمة فليأت بها، وجمعنا أطناناً فوزعناها على الفقراء، فأخذوها بعظيم البشاشة، ونادينا على المنابر: من كان عنده دواء -شفاه الله عز وجل وبقي شيء من الدواء- فليأت به، فجمعنا كمية كبيرة، وتطوع بعض الإخوة الصيادلة لعمل جناح خاص ورتبت هذه الأدوية، فإذا مرض إنسان أتى فأخذ مثلاً ورقة مختومة فيعطى الدواء بالمجان.

تصور أن الدعوة السلفية لها مائة عام، وكان بعض الآباء يصدون أولادهم عنا ويقولون: هذا سني، وهو معرض للاعتقال، ويقول لابنه: لا تذهب ولا تصل في المساجد السنية.

ويأتي الولد يشتكي ويقول: ماذا أفعل؟ المساجد الأخرى ينقرون الصلاة، فماذا أفعل؟! فاستطعنا أن نكسب قلوب أولئك الآباء، وأصبح الأب يستحي على الأقل أن يمنع ولده أن يرافقك وأنت المحسن عليه المتصدق، حتى وإن لم يقتنع بذلك على الأقل تجعله على الحياد إن عجزت أن تضمه إلى صفك.

ما علمنا هذه الحقيقة إلا بعد أن مارسناها، كنا نتأفف جداً من أي رجل يشرب السيجارة، وقد نخوض في طريق آخر، لكن تجمعنا الجلسات بأولئك، فكنا نترفق بهم غاية الترفق، فأحياناً يصرحون بألفاظ عجيبة، ومع ذلك نخفض لهم جناح الذل من الرحمة، حتى يصير في قلبه محبة لك، وقد انضم عشرات من العصاة لركب المؤمنين.

هذه الدعوة المباركة لا تحتاج إلى جهد؛ لأنها تغزو القلوب، لكن تحتاج إلى حسن عرض.

مررت مع أحدهم على رجل يتسول، وقد كشف عن ساقه المقطوعة، فقال رفيقي أول ما رآه: أعوذ بالله، أعوذ بالله، تتكسب بالحرام؟! الركبة عورة! طبعاً الرجل لأنه لا يريد أن يقع في مشاكل غطى ركبته، ثم مشينا قليلاً فنظرت خلفي فإذا به قد كشفها، إذاً ما الفائدة؟! تستطيع أن تنكر المنكر بأسلوب أفضل من هذا.

فالحاصل: أن الظن الغالب يُعمل به، وإذا غلب على ظنك -بخبرتك- أن الرجل صاحب عناد وجدل ولا يرجع فتجنبه، وهناك عشرات في مقابله يتقبلون النصح ويظهر ذلك عليهم.

لذلك نقول: إن الزكاة والصدقة تحتاج إلى رجل فقيه حتى يضعها في موضعها والله أعلم.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.