للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

[حكم الموسيقى]

السؤال

ما حكم الموسيقى؟

الجواب

الموسيقى حرام كلها حتى الدُّف، إلا في ما يتعلق بالضرب عليه للجواري في الأفراح؛ لأن الدفَّ من المعازف، والرسول -عليه الصلاة والسلام- يقول كما في الحديث الذي رواه البخاري معلقاً، ورواه البيهقي وغيره موصولاً: (ليكوننَّ من أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ -الذي هو الفرج، بمعنى الزنا-، والحرير، والخمر، والمعازف).

فالمعازف معطوفة على بقية المحرمات، وكلمة (يستحلُّون): إشارة إلى أنها كانت حراماً، فاستحلوها، وجعلوها حلالاً.

ولهذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة اتفق العلماء على تحريم الغناء.

وشيخُنا أبو عبد الرحمن الألباني حفظه الله له كتاب لطيف نُشِر هذا العام اسمه: تحريم آلات الطرب.

هذا الكتاب كتبه قبل قرابة أربعين سنة، وكان رداً على مقال نُشر في جريدة بعض الأحزاب الإسلامية آنذاك، وكتب فيه نفس المقال، وأنا لما قرأت المقال تعجبتُ؛ لأنني كنتُ كتبتُ كتاباً ضليعاً للكتاب، في الرد على الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، اسمه شمس اللآلي في الرد على الشيخ محمد الغزالي، وأنا أتكلم على مسألة الغناء، فقلت: إنه ثمة بعض أناس يقولون: نريد المسلم في كل مناحي الحياة، حتى إذا قامت دولة الإسلام تجد المسلمين في كل مجال! يا أخي! حتى تأتي دولة الإسلام نكون غير موجودين أصلاً؛ لأننا سنكون قد انتهينا.

فلو دخل أحدنا في السياحة والفنادق على أمل أن يأتي الإسلام ويحكم، فهل سيعيش إلى ذلك الوقت؟ فإذاً: يا إخوة! هو كان يريد من هذا الكلام -حسب زعمه- تخصصاً ملتزماً.

فهم عندهم هكذا، يقولون: نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، والمزارع المسلم، والفلاح المسلم، والنجار المسلم.

ونحن نقول: من قال: إننا لا نريد هؤلاء؟ نحن أيضاً نقول: نريد الطبيب المسلم، والمهندس المسلم، ونريد المسلم المتخصص في كل شيء، ولكن بالضوابط الشرعية.

فأنا قلت: ولربما قال: والموسيقي المسلم، والطبَّال المسلم، والزمَّار المسلم.

فبعض الناس لامني، وقال: إن كلمة الموسيقي المسلم، والطبال المسلم، فيها استفزاز وتجاوز.

فلما وقفتُ على كتاب شيخنا الألباني حفظه الله ووجدتُ المقال الذي ألّف الشيخ ناصر لأجله هذا الكتاب، عرفت أنني من أصحاب الجرح مع أنني لستُ بدكتور، لكني أفتي من غير أن تكون معي شهادة.

هذا المقال ماذا يقول؟ يقول نص المقال في هذه المجلة: إننا نحتاج المسلم في كل شيء، الغرب لديهم معزوفة هادئة تسمى السيمفونية، ونحن ليس عندنا، مع أن الأمة مليئة بالعباقرة، لِمَ لَمْ يعمل لنا شخصٌ موسيقى إسلامية هادئة؟ فأنا -في الحقيقة- استغربت وضحكت! أنا أريد أن أعرف كيف تكون موسيقى إسلامية؟! أيكون الوتر مقلوباً إلى اليمين مثلاً؟! أو مثلاً يعزف بلسانه مثلاً أو يعزف برءوس أنامله؟! في الموسيقى الغربية يكون المغني يتنطط -كما في موسيقى الجاز وغيرها- مثل الجربان، ونحن نغني بوقار فنركِّب لحيةً، ونلبس الطاقية، ونعدل الطربوش، ونعزف؟! أنا أريد أن أعرف هذا الكلام؟ ما معنى موسيقى إسلامية؟! وأيضاً صاحب المقال في المجلة زعلان! لأن المسلمين ليس فيهم حتى الآن عبقري واحد يقف أمام بيتهوفن، ويعمل شيئاً يشرفنا ويطيل رقابنا عند الغرب! انظر المسألة كيف وصلت إلى هذا الحد! هذه الأمة لن تنتصر أبداً، إذا كانت همها الموسيقى والأغاني، والمشكلة أن الشباب يحتجون بعلمائها، فعندما يسمع عالماً كبيراً يُشار إليه بالبنان يظل نحواً من خمسين عاماً يحل الأغاني -ونحن لا ننكر أن الله فتح قلوباً به وفتح آذاناً صماً بكلامه- ولكن لِمَ يقول هذا الكلام؟! فكل الذين يسمعون الأغاني يسمعون لفتاوى هؤلاء.

الحقيقة: أنا لا أعلم أحداً من العلماء الذين تدور عليهم الفتوى قال: إن الغناء حلال، أو إن الموسيقى حلال، بل إن الموسيقى كلها حرام، ومنها الدُّف إلا في المناسبات للنساء.

أما الذين ينشدون في الأعراس ويقولون: إنهم فرقة إسلامية ويضربون الدف، وتجدهم كلهم قد لبسوا ملابس موحدة.

ذهبت مرة لأصلي في المسجد التابع للمعهد الديني الأزهري، وللمرة الأولى أرى دفوفاً وفرقة على الباب، فاستغربت جداً، وقلت: ما هذا؟ فقيل: هذه فرقة، جاءت للإنشاد.

قلت: ما هذا الكلام؟ قيل: هذه فرقة إسلامية.

ماذا تعني (إسلامية)؟ قيل: لأننا نعمل بديلاً للفرق صاحبة (الكابريهات) وما شابهها.

فهذه أيضاً هي نفس فكرة الموسيقى الإسلامية الهادئة الهادفة.

ألا فليعلم هؤلاء جميعاً أن هذا لا يجوز ولا يحل، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والذي يُستغل كلامُه على حلق اللحية، ويقال: شيخ الإسلام أفتى بجواز حلق اللحى لضرورة التخفي في دار الحرب.

أقول: لهم: خذوا كلام شيخ الإسلام كله، ولا تأخذوا كلام شيخ الإسلام في موضع، وتتركوه في موضع آخر، بل خذوه كله.

سئل شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى، عن حكم ضرب الدف للرجال، فقال هذه العبارة: لا يفعله إلا الفساق.

وقد نقل عن مالك والشافعي التشديد على هؤلاء، وأنه لا يحل للرجل أن يضرب بالدُّف.

إذاً: فضرب الدُّف لا يجوز للرجال، إنما يجوز للنساء في المناسبات.

فلعل بعض الناس يقول: كلمة (المناسبات) واسعة، فماذا تعني بها؟ أعني بها: الأفراح مثلاً، وما جرى مجرى الفرح، لما ثبت أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! إنني نذرتُ إن أرجعكَ الله سالماً أن أضرب على رأسك بالدُّفِّ، فقال لها: أوفي بنذركِ).

فلا شك أن رجوعه سالماً صلى الله عليه وآله وسلم أجل من العيد، بالإضافة إلى جواز ضرب الدف للنساء فقط، فهو شيءٌ مباحٌ في حقها، وقد نَذَرته، وفي يوم عيد وهو رجوعه -عليه الصلاة والسلام- سالماً، فقال لها صلى الله عليه وسلم: (أوفي بنذركِ).

والله أعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

والحمد لله رب العالمين.