للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[أنواع البيع]

البيع ينقسم إلى نوعين: بيع مأذون به شرعاً.

وبيع غير مأذون به شرعاً.

فأما البيوع التي أذن الله بها فهي لا تنحصر، وأما البيوع التي حرمها الله فهي منحصرة ومعدودة، والدليل على ذلك من الكتاب قول الله عز وجل: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:٢٧٥] فما قال سبحانه: (وأحل الله بيع السلم، وأحل الله بيع الخيار، وأحل الله بيع المرابحة)، وإنما عمم وقال: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:٢٧٥]، ثم لما جاء إلى التحريم قال: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:٢٧٥] وما قال: (وحرم البيع)، فلما جاء إلى الحلِّ عمم، ولما جاء إلى التحريم خصص وعين، فأصبح الذي أحلَّه أكثر مما حرمه، ومن هنا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤكد هذا المعنى، فأنت إذا تأملت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجدها في النهي، ولذلك تجد المحدثين -وهذا من فقه علماء الحديث- يقولون: (باب البيوع المنهي عنها شرعاً)، ولم يقولوا: (باب البيوع المأذون بها شرعاً)؛ لأنها لا تنحصر، والذي ينحصر المحرم، ولذلك قالوا: باب البيوع المنهي عنها شرعاً، باب البيوع المحرمة: بيع الملامسة المنابذة الحصى حبل الحبلة بيع الغرر بيعتين في بيعة.

إلخ.

فهذه البيوع معدودة محدودة، وأما البيوع الجائزة التي لا تنحصر فمنها بيع السلم، والخيار، والمرابحة، والصرف، وبيع المقايضة من حيث الأصل، فهذه من حيث الجملة بيوع مأذون بها شرعاً، وسنبينها إن شاء الله ونتكلم عليها.

وهناك ضوابط وضعها العلماء للبيوع المحرمة قلَّ أن تخرج عنها: الضابط الأول: أن يكون المبيع محرماً عيناً؛ كبيع الميتة، والخمر، والخنزير، والأصنام، والنجاسات، ونحوها مما حرم الله عز وجل بيعه.

الضابط الثاني: أن يكون من باب الربا؛ كأن يبيع الريال بالريالين، أو يصرف الريال بالريالين ورقاً كان أو حديداً، فهذا يعتبر من الربا، وسنبينه إن شاء الله ونذكر وجه تحريمه من اشتماله على الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.

الضابط الثالث: أن يكون من باب بيع الغرر، وبيع الغرر أن يعطيه الشيء وهو في الظاهر يحتمل السلامة ويحتمل عدم السلامة، كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع المجهولات، كبيع الأرقام والنصيب، ونحوها، فهذه بيوع تدفع فيها مالك ولا تضمن ما الذي تأخذه أو لا تدري ما هو، فقد يكون شيئاً غالياً وقد يكون شيئاً بخيساً لا يستحق المال الذي دفعته، فهو من أكل المال بالباطل، وسنبين جميع هذه الضوابط أو جلَّها، إن شاء الله تعالى.

إذاً: عندنا بيع مأذون به شرعاً، وعندنا بيع محرم شرعاً.

كذلك هناك مسألة مهمة: إذا كنا قد عرفنا أن الذي أحل الله أكثر مما حرم، ندرك سماحة الشرع ويسر الشريعة، وأنه إذا جاءك من يطعن في هذه الشريعة ويقول: أنتم تحرمون على الناس، فقل له: يا أخي! أخطأت، إن الذي حرم هو الله والذي أحل هو الله، والذي حرمه الله شيء مخصوص، والذي أذن الله لك أن تتعامل به وأن تأكله وأن تأخذه لا ينحصر، ولكننا نقول: هذا الشيء المعين حرمه الله فاتركه.

فالمقصود: أن الله سبحانه وتعالى حينما حرم لنا فخصص، وأباح لنا فعمم، دل هذا على سماحة الشريعة ويسرها، وأن الله يريد التوسعة على عباده.

ثم إن الله ما حرم شيئاً إلا لعلة، فقد يكون البيع سبباً في إفساد الأخوة بينك وبين أخيك المسلم، فقد يبيع المسلم أخاه شيئاً مغشوشاً، فإذا باعه شيئاً مغشوشاً لم يسكت المشتري، فيطالب بحقه فيصر البائع فتحدث بينهما الخصومة، ثم يدخل الإنسان إلى السوق منتزع الثقة، ولذلك تجد في البلاد غير الإسلامية عندما تدخل السوق لا تضمن شيئاً؛ لأنك تدخل على شيء لا تعرف ما هو، بيوع مختلفة، وكلها وسائل لأكل المال بطرق ملتوية، لكن في الإسلام تجد الشريعة توقفك على مبيع معين، وتشدد في الشروط وتضيق عليه من أجل الرحمة بك وبمن يعاملك؛ لأن الله يريد العدل بينك وبين المشتري، فلم يظلم الله البائع ولم يظلم الله المشتري، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:٤٦]، وإنما أعطى لكل ذي حق حقه، فإذا مد لك أخوك المال، فينبغي أن تعطيه حقه وترضيه، {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء:٢٩]، فلا يؤخذ المال باللعب ولا بالغش ولا بالتزوير، ولكن يؤخذ بحقه، فتبقى مطمئن النفس للمال الذي أخذته والكسب الذي اكتسبته، ويبقى أخوك مطمئن النفس مرتاح البال للسلعة التي أخذها، وكل منكم يُبارك له في سلعته كما في الحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما).

وإن من الحكم المستفادة من شرعية البيع: أن الله سبحانه وتعالى جعل فيه جلب المصالح ودرء المفاسد عن العباد، فأنت إذا احتجت إلى شيء، وهذا الشيء موجود بيد أخيك وأنت لم تستطع أن تطلبه ذلك الشيء وهو لا يستطيع أن يعطيكه إلا بعوض، فشرع الله البيع حتى تحصِّل المصالح لنفسك وتدرأ المفاسد عن نفسك، ويحصل أخوك المصالح لنفسه ويدرأ المفاسد عن نفسه، ولذلك مما يعتبر دليلاً عقلياً ما ذكره الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني حيث يقول: إن المسلم أو الإنسان تتعلق نفسه بحاجة عند أخيه -كأن تحتاج إلى سيارة مثلاً؛ لقضاء حوائجك والقيام على مصالحك- وأخوك لا يعطيك هذا الشيء من عنده، ولا يمكنك أن تأخذه بالغصب والقهر، فانظروا إلى حكمة التشريع، فالمشرع سبحانه شرع البيع عدلاً بين العباد، وهذا يدل على الحكمة، وأن البيع موضوع في موضعه؛ لأنه إذا تعلقت نفسه بهذا الشيء كالطعام مثلاً: قد يتعرض للموت إذا لم تعطه الطعام، أو قد يضطر إلى القتل حتى يصل إليه، وحينئذٍ شرع الله البيع لكي يدرأ عن الناس المفاسد، فإذا شرع الله البيع فقد رحم البائع بأخذه لحقه ورحم المشتري لتحقيق مصلحته، وعلى هذا انتظم البيع في تحقيق المصالح ودرء المفاسد.

وقوله رحمه الله: [كتاب البيع] بعض العلماء يقول: (كتاب البيوع)، وكلاهما له وجه، فمن يقول: (كتاب البيوع) ينبه على الشمولية لأنواع البيوع المحرمة والجائزة، وأما من يقول: (كتاب البيع) فقد عبر بالمصدر.

<<  <  ج:
ص:  >  >>