للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[علة إذن الشرع بالرجوع في الوصية دون الهبة]

السؤال

أشكل عليَّ أن الوصية تشابه الهبة في وجوه وتختلف في وجوه أخرى؛ فمثلاً: يجوز الرجوع في الوصية، ولا يجوز في الهبة، فما توضيح ذلك؟

الجواب

الوصية يجوز الرجوع فيها لحِكم وأسرار عظيمة، وقد نبّه العلماء رحمهم الله على جملة من هذه الحكم ومنهم: الإمام القرافي في كتابه النفيس: الذخيرة.

ومن أعظم هذه الحِكم: أولاً: أن الشريعة لما أذنت بالرجوع في الوصية فتحت باب الوصية، وشجّعت الناس على أن يُوصوا؛ لأن الإنسان لو علم أنه لا يملك أن يرجع في وصيته لخاف من الوصية؛ لأنها ستكون إلزاماً، ولا يستطيع أن يعدل أو أن يبدل أو يغير.

ثانياً: أن الوصية مترتبة على الموت، فهي تصرُّف مضاف إلى ما بعد الموت، والإنسان لا يعلم متى أجله، وكم من مريض مد الله في عمره فعاش أكثر من الصحيح! وكم من صحيح اغتر بحاله فمات في طرفة عين! فالآجال لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يضْمن الإنسان أن يُمد له في عمره، وينسأ له في أجله، وأيضاً: لا يضمن أن يأتيه الأجل فجأة، فجمعت الشريعة بين الاثنين: خوف إتيان الموت فجأة، فتكتب الوصية بناءً على هذه الحالة.

وإن مُد في العمر وطرأت أمور، فمثلاً: قد أُوصِي لأجنبي وليس عندي أحد من أولادي، ثم يشاء الله أن يأتيني بولد، فأغير وأبدِّل تلافياً لما جد وطرأ، فهذا عين الحكمة، وعين العدل، وعين المصلحة، فقد جاءت الوصية على الصفة التي تحقق الهدف منها.

وقد يوصي الإنسان وليس عنده أولاد، ثم بعد ذلك يطرأ له أولاد، وقد يوصي بالقليل وعنده أولاد، ثم بعد ذلك قد يموت أولاده قبله، ففتحت الشريعة باب الرجوع تحقيقاً للمصالح ودرءاً للمفاسد، وتداركاً لما يمكن أن يفوت لو حُكِم بعدم الرجوع.

هذا بالنسبة لإذن الشريعة بالرجوع في الوصية.

وقد منعت الشريعة من الرجوع في الهبة، وهذا ما يقوله العلماء: أن الشريعة تجمع بين المتضادين في حُكْم، وتفرِّق بين المتماثلين في حُكْم، فهنا منعت من الرجوع في الهبة وأجازته في الوصية؛ لأن المقصود من الوصية: إيصال الحقوق إلى أهلها، وحصول البر للموصِين بها من الأجر والمثوبة والصلة، فهو بوصيته إذا أمكنه الرجوع تتحقق هذه المصالح، أما في الهبة فالأصل في مشروعية الهبة إنما هو طلب المحبة والمودة والصلة بين الناس، ويدل على هذا: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا)، فالمقصود من الهبة: حصول المحبة والألفة وتقوية أواصر الأخوة بين المسلمين؛ فإذا حصل الرجوع وقعت الضغينة والشحناء، وتقطعت أواصر المحبة، وهذا عكس ما تريده الشريعة من الهبة، فيصبح الرجوع على العكس تماماً، ولذلك ما سُمِح بالرجوع عن الهبة إلا في حالة خاصة، وهي رجوع الوالد في هبته لولده؛ لأن المقصود من الهبة الصلة والبر، فحينما يأتي الوالد ويُعطي بعض ولده ويحرم البعض، فحينئذٍ يحصل عكس المقصود؛ فأذن الشرع هنا بالرجوع.

أما الرجوع لغير الوالد مع ولده، مثل أن يهب صديقه ويرجع، فإن ذلك يؤدي إلى أن يحقد عليه صديقه أو يتألم، وعلى الأقل -وليس بالقليل- أن صديقه يقول: لابد أن فلاناً قد تغيّر قلبه نحوي، ثم تحدث القطيعة.

لكن الوالد مع ولده لو أعطى ولداً وحرَم الآخر؛ فإن الواجب عليه: أن يعدل، فصارت الهبة هنا لا تُحقق البر والصلة، وإنما تحقق الشحناء بين الأبناء بعضهم على بعض، وجاء الأمر بعكس ما هو موجود في الهبة نفسها، فجاءت الهبة مصادِمة للشريعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى في حديث النعمان: (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا يا رسول الله! قال: أشهد على هذا غيري، فإني لا أشهد على جور)، وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، فجعل الهبة لبعض الولد دون البعض ظلماً وجَوراً لا يُحقق العدل، فأمره بالرجوع، والأمر قد جاء ضمناً بأن هذا جور، والجور لا يجوز، فمعنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (جور) أي: ارجع عن هبتك.

وقد جاء في الحديث الآخر في السنن: (لا يحل لأحد أن يرجع في هبته إلا الوالد فيما وهب لولده)، فأذن للوالد أن يرجع في هبته؛ لأن هذا الرجوع يُحقق العدل بين الأبناء، ويوجب المحبة، ويزيل الشحناء وحقد بعضهم على بعض، ولذلك قال: (أشهد على هذا غيري؛ فإني لا أشهد على جور)، فأجاز الرجوع في حالٍ ومنع الرجوع في حال، وكل ذلك مبني على تحقيق مقاصد الشريعة من حصول العدل.

وهذا مما يقوي مسلك أئمة الإسلام رحمهم الله وجمهور الفقهاء من أن الشريعة تراعي المعاني، وليس الألفاظ فقط، فما جاءت الشريعة بالألفاظ فقط، وإنما جاءت بمعان مضمونة مضمنة، وهذا هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

فالمقصود: أن الشريعة أجازت الرجوع في الوصية، تحقيقاً للمصالح، ودرءاً للمفاسد، وطلباً لما يُراد من شرعية الوصية، وهو تدارك ما فات، والوصول إلى الخير والبر والإحسان فيما يقصد منه البر والإحسان وصلة الرحم، إذا قصد صلة الرحم ونحو ذلك.

وأيضاً: ربما أوصيت لشخص وهو فقير، ثم عند الموت صار غنياً، وربما أوصيت لشخص مديون، ثم قُضي دينه فأصبح غير محتاج للوصية، فالإذن بالرجوع عنها هو تحقيق للمصالح ودرءٌ للمفاسد.

وأما الرجوع عن الهبة فإنه يوجب الشحناء، ويزيل المحبة، ويفسد الإخاء؛ ولذلك جاز الرجوع في الوصية، وحرُم الرجوع هنا، ولله الأمر فيهما، وصدق الله جل جلاله إذ يقول في كتابه {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:١١٥]، والله تعالى أعلم.

<<  <  ج:
ص:  >  >>