للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

[حكم نكاح الكفار]

قال المصنف رحمه الله: [حكمه كنكاح المسلمين] حكم نكاح الكفار كحكم نكاح المسلمين فهو يُقر ويثبت، لكن على تفصيل في هذه الأنكحة؛ فلو أن شخصاً كافراً جاء يريد حكم الشريعة في النكاح فإنه يلزم بنكاح المسلمين، ويكون نكاحهم كنكاح المسلمين، لكن من حيث التفصيل والأحكام هناك أحكام ومستثنيات ينبغي تفصيلها فقال رحمه الله: (حكمه كنكاح المسلمين) فنقرهم، وينبني على هذه القاعدة أننا نقرهم على أنكحتهم، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما تدخل في أنكحة الكفار ممن كان تحته من أهل الذمة ومن المعاهدين كبني قريظة ونحوهم وما قال لهم: انكحوا بهذه الطريقة وافعلوا هذه الطريقة، إنما تركهم على نكاحهم.

فكل أهل ملة ودين يفعلون النكاح على ملتهم ودينهم، والكفار على قسمين: أهل الملل الذين لهم أديان سماوية كالكتابيين من اليهود والنصارى، فهؤلاء يفعلون الأنكحة على وفق دينهم ويُقرون على دينهم، أما بالنسبة للذي لا دين له كالحربي الوثني، أو المجوسي الذي ليس له دين سماوي على القول بأن المجوس ليسوا في حكم الكتابيين، وكذلك أيضاً الذي لا دين له كالشيوعي والملحد فما حكم نكاحه وهو ليس له دين؟ ف

الجواب

أن نكاحه كنكاح المسلم، فلو أن من لا دين له كملحدٍ تزوج ملحدة، مع أنهم في بعض الأحيان ما عندهم ولي وشاهدان ومهر، بل يلقى الرجل المرأة -والعياذ بالله- في الطريق ويطؤها على أنه زوج لها ويتعارفون على هذا، وهم ما عندهم دين، فإننا نقرهم على هذا إذا أسلما الاثنان؛ لأن أهل الجاهلية في جاهليتهم كانوا لا دين لهم، فلما أسلموا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً أن يجدد نكاحه، مع أنهم في الجاهلية كانوا يوقعون الأنكحة على غير السنن الشرعية، ولذلك قالوا: يفرق بين الابتداء والاستدامة، وأنكحة الكفار يختلف فيها الحكم الابتدائي والاستدامي الذي يستدام به العقد، وسيبين المصنف رحمه الله جمل المسائل وأحكامها كما سيأتي.

فقال: (حكمه كنكاح المسلمين) من حيث الأصل، فإذا أسلم الكافران الزوج والزوجة ما نأتي نبحث عنه، وهذه فائدة حكمه كحكم نكاح المسلم، ولذلك أبقى النبي صلى الله عليه وسلم هذا النكاح.

النكاح يعتبر من العقود التي أبقتها الشريعة على حالها من الجاهلية، وهذه العقود منها قسمة المواريث وقسم الحقوق، فإذا قسم الكفار حقوقهم في حال الكفر ثم أسلموا فإنه يبقى قسم الجاهلية على ما هو عليه لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما كان من قسم الجاهلية فهو على ما هو عليه) ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وهل أبقى لنا عقيل من رباع) لأن عقيل بن أبي طالب بقي على الكفر إلى قرب الفتح فورث جميع بني هاشم الذين كانوا كفاراً، ولم يتوارث بنو هاشم الذين أسلموا فأصبح الإرث كله لـ عقيل، ثم لما أسلم عقيل ما قال له: تعال نقسم، فجعل هذه العقود: النكاح والقسم والمواريث تبقى على حكم الجاهلية، فإن أسلموا فإنه يستأنف الحكم فيما لم يمضِ ولم يتم، أما ما تم وبت فيه فيبقى على ما هو عليه، فلو أنه عاشرها لحظة على أنها زوجة له وعرفهم جارٍ بهذا -والعياذ بالله- ودخلوا في الإسلام مباشرة فهما زوجان، وهذا أصل عند العلماء، ويكاد أن يكون إجماعاً بين أهل العلم؛ لأن فيه نصوصاً واضحة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة، فلم يسأل صحابياً أن يجدد نكاحه على زوجته.

<<  <  ج:
ص:  >  >>